facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 97865
    تاريخ نشره : 5/7/2016 2:29:55 PM

    المعارف الإسلامیّة (175) الإسلام و حقوق الأخلاقی (20)

    الخطیب: مقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني
    التاریخ: 22.04.2016


                                                                بسم الله الرحمن الرحیم

    الحمد لله ربّ العالمین و الحمد لله الذي لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره، الحمدالله الذی لا شریك لَهُ في خلقه و لا شبیهَ لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سیّدنا و نبیّنا محمّد صلّی الله علیه وعلی آله الطیبین الطاهرین و أصحابه المنتجبین.  

    عباد الله أُوصیكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه.

    مرّ فيما سَبَقَ أنّ الحاكمَ يجبُ أنْ يكون عادلاً، وأنّ هذا حقٌ للنّاس، بمعنى أنه يجب أداء جميع حقوقهم إليهم ومنع ظلمهم والتعدّي عليهم. السلوك العادل قانون عام يحافظ على الصلاح من جميع جهاته، ولذا عُدَّ العدل أشرف من الكرم، فالعدل وضع الشيء في موضعه، بينما يُخرِجُها الجُودَ عن موضعها في بعض الموارد، ويعطي البعض أكثر ممّا يستحقّ.[1]

    ولذا نُقل عن الإمام الصادق(ع) أنه قال: «الْعَدْلُ‏ أَحْلَى‏ مِنَ الْمَاءِ يُصِيبُهُ الظَّمْآنُ مَا أَوْسَعَ الْعَدْلَ إِذَا عُدِلَ فِيهِ وَ إِنْ قَلَّ».[2] ولهذا أيضاً قال أمير المؤمنين(ع) إنّ الحاكم يجب أن لا ينخدع بما يُطلق عليه من ألقاب وعناوين، بل عليه أن يشارك الآخَرين في مشاكلهم ويعملَ على حلّها «أَ أَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي‏ بِأَنْ‏ يُقَالَ‏ هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ لَا أُشَارِكُهُمْ فِي مَكَارِهِ الدَّهْر».[3]

    واجبات الحاكم

    يقول الإمام السجّاد(ع) إنّ الحاكمَ العادلَ يجبُ أن يكونَ كالأبِ الرحيم، وأن يعتبر الناسَ أبناءَه، فيساوي بينهم. فيتعاطى معهم بعطف ومحبة، وهذا ما يذكرنا بوصية أمير المؤمنين(ع) في رسالته إلى مالك الأشترحيث يقول: «وَ أَشْعِرْ قَلْبَكَ‏ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ وَ الْمَحَبَّةَ لَهُمْ وَ اللُّطْفَ بِهِمْ وَ لَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ وَ إِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْق».[4]

    الإحترام المتبادل للحقوق بين الحاكم والشعب هو سر تكامل المجتمع

    عندما يتعرّف كلّ من الحاكم والشعب على حقوق الآخر في المجتمع المتديّن، ويحترم كلٌ منهما هذه الحقوق، سيتطور المجتمع وينمو على كافة الصُعُدِ، كما قال أمير المؤمنين(ع): وَ أَعْظَمُ‏ مَا افْتَرَضَ‏ سُبْحَانَهُ مِنْ تِلْكَ الْحُقُوقِ حَقُّ الْوَالِي عَلَى الرَّعِيَّةِ وَ حَقُّ الرَّعِيَّةِ عَلَى الْوَالِي فَرِيضَةٌ فَرَضَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِكُلٍّ عَلَى كُلٍّ فَجَعَلَهَا نِظَاماً لِأُلْفَتِهِمْ وَ عِزّاً لِدِينِهِمْ فَلَيْسَتْ تَصْلُحُ الرَّعِيَّةُ إِلَّا بِصَلَاحِ الْوُلَاةِ وَ لَاتَصْلُحُ الْوُلَاةُ إِلَّا بِاسْتِقَامَةِ الرَّعِيَّةِ فَإِذَا أَدَّتْ الرَّعِيَّةُ إِلَى الْوَالِي حَقَّهُ وَ أَدَّى الْوَالِي إِلَيْهَا حَقَّهَا عَزَّ الْحَقُّ بَيْنَهُمْ وَ قَامَتْ مَنَاهِجُ الدِّينِ وَ اعْتَدَلَتْ مَعَالِمُ الْعَدْلِ وَ جَرَتْ عَلَى أَذْلَالِهَا السُّنَنُ فَصَلَحَ بِذَلِكَ الزَّمَانُ وَ طُمِعَ فِي بَقَاءِ الدَّوْلَةِ وَ يَئِسَتْ مَطَامِعُ الْأَعْدَاءِ. [5]

    ثم يقول عليه السلام: وَ إِذَا غَلَبَتِ الرَّعِيَّةُ وَالِيَهَا أَوْ أَجْحَفَ الْوَالِي بِرَعِيَّتِهِ اخْتَلَفَتْ هُنَالِكَ‏ الْكَلِمَةُ وَ ظَهَرَتْ مَعَالِمُ الْجَوْرِ وَ كَثُرَ الْإِدْغَالُ فِي الدِّينِ وَ تُرِكَتْ مَحَاجُّ السُّنَنِ فَعُمِلَ بِالْهَوَى وَ عُطِّلَتِ الْأَحْكَامُ وَ كَثُرَتْ عِلَلُ النُّفُوسِ فَلَا يُسْتَوْحَشُ لِعَظِيمِ حَقٍّ عُطِّلَ وَ لَا لِعَظِيمِ بَاطِلٍ فُعِلَ فَهُنَالِكَ تَذِلُّ الْأَبْرَارُ وَ تَعِزُّ الْأَشْرَارُ وَ تَعْظُمُ تَبِعَاتُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ عِنْدَ الْعِبَادِ. [6]

    إذا تمعّن الإنسان فيما ورد في هذه الخطبة، سيكتشف أن الإمام علي(ع) يعرّفنا على أسباب بقاء الدولة وحلول الصفاء والسلام بين الحاكم والرعيّة، فيقول لنا إن المجتمع الذي يريد السعادة يجب أن يؤدي المسؤولون فيه واجباتِهم تجاه بسط العدالة والأمن والسلام، وكل تقصيرٍ من الحاكم والرعيّة في أداء الواجب سيُنْقِصُ بنفس المقدار من العدالة والأمن.

    لذلك عندما يتصدى عديمو الكَفَاءَةِ للحكم، سيؤدي هذا إلى زوال العدالة والتدين والقيم الإنسانية، ليحلّ مكانها الضلال. فلا بد للحاكم إذن من هداية المجتمع بعدالته وعطفه. و لا بدّ أيضاً للرعيّة من أداء واجباتهم والوفاء ببيعتهم للحاكم العادل وإطاعته.

    حق الرعيّة عند الإمام السجّاد(ع)

    يرى إمامنا السجّاد(ع) أن الحاكم العادل يجب أن يحمد الله على هذه النعمة العظيمة فلا يَغْفُلُ عن الشكر لحظةً، ويجب أن يعرف أن هذه السُّلْطةُ أمانةٌ من الله في يده، وهي اختبارٌ له، فلا يسمحُ بظلم الضعيف.

    نسأل الله عز وجل أن یمنّ علینا جمیعًا بالتوفیق و أداءِ حقِّ مُعلِّميَنا، فهم الذين یحیون أفكارَ تلامِذَتِهم و يجلون أبصارَهم، ويحيون فينا الرغبةَ لفهم المعارفِ الدینیّة و الإسلامیّة. و نسأل الله أن یُقَوّي روح الإيمان فینا جمیعًا فنسعى لسد حاجة الفقراء، ونسأله التوفيق للمزيد من خشیته و طاعته  والمحبّة له و لأولیائه ونسأله برحمته أن يجعلنا من المتخلقين بأحسن الأخلاق تجاه عباده، ونشكره علی ما هدانا ونسأله أن يوفقنا لتعلم كلِّ ما في وسعنا لنعرف سبیل الرشاد والعمل الصالح و هو وليُّ كل توفیقٍ و له الحمد و الشكر علی كلّ النِّعَم.

                                                                                                               آمین یا ربِّ العالمین

                                                                                                                  والسلام علیكم و رحمة الله وبركاته

     



    [1]. وَ سُئِلَ(ع) أَيُّهُمَا أَفْضَلُ الْعَدْلُ أَوِ الْجُودُ؟ فَقَالَ(ع) الْعَدْلُ‏ يَضَعُ‏ الْأُمُورَ مَوَاضِعَهَا وَ الْجُودُ يُخْرِجُهَا مِنْ جِهَتِهَا. (نهج البلاغة، حکمة/437).

    [2]. كلينى، محمد بن يعقوب، الكافي، ج2، ص146، ح11، تهران، دار الكتب الإسلامية، چ چهارم، 1407ق.

    [3]. نهج البلاغة، نامه/45.

    [4]. نهج البلاغة، نامه/53.

    [5] ـ نهج البلاغة، خطبة/216.

    [6] ـ نفس المصدر.



    تعليق



    عرض غير العامة