facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 86301
    تاريخ نشره : 10/31/2015 1:39:45 PM

    المعارف الإسلامیّة (159) الإسلام و حقوق الإنسان (35)

    الخطیب: مقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني
    30.10.2015




    بسم الله الرحمن الرحیم
     

    الحمد لله ربّ العالمین و الحمد لله الذي لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره، الحمدالله الذی لا شریك لَهُ في خلقه و لا شبیهَ لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سیّدنا و نبیّنا محمّد صلّی الله علیه وعلی آله الطیبین الطاهرین و أصحابه المنتجبین.   

    عباد الله أُوصیكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه . 

    حین نرید أن نتعرّف علی «حقّ النفس علی الإنسان» یجب علینا أن ندرس ما جاء حول هذا الموضوع في «رسالة الحقوق» للإمام السجّاد(ع) إذ أنَّ فیها البحوث المفیدة التي ذكرها الإمام زین العابدین (ع) في هذه الرسالة. إنَّ «حقّ النفس علی الإنسان» لها أهمّیّتها الكبری و لربّما تكون من أهمّ الموارد التي كانت من البلاغات التي بُعثَ الأنبیاء لإبلاغها إلی الناس طوال الدهر و الزمان، لكي یتمّ بها تربیة النفوس البشریّة و إنَّ الأنبیاء الذین جاؤا بتلك البلاغات كانوا هم الذین قد ربّاهم الله تبارك وتعالی و أوحی إلیهم مابلّغوه إلی الناس و كانت رسالة الأنبیاء(ص) إذ أنَّهُم کانوا «هُمُ المُعَلّمین و هُمُ المُربّین» و لذلك فإنّهم كانوا یسعون لتنزیه الأذهان و الأفكار عند الناس في أمّتهم و لِیَهدوا الناس إلی سبیل الرشاد و إعلامهم بمكانتهم الحقیقیّة و الهدف من خِلقتهم في الحیاة الدنیا.      

    حق النفس في الآیات و الروایات:  

    إنَّ أهمّیّة موضوع التزكیة و تعلیم الكتاب و الحكمة عالیة لدرجة بحیث أنّ هنالک العدید من الآیات التي نری التأكید علیها في القرآن الكریم و منها الآیة الثانیة من سورة الجمعة في قوله تعالی: «هُوَ الَّذي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنهُمْ يَتلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ وَ الحِكمَة»1 و لذلك فإنَّ علی الإنسان أن یُرَبّي نفسه و یسیطر علی میوله كما نری بیان أهمّیّة ذلك في ما وصفه أمیر المرمنین الإمام عليّ بن أبیطالب (ع) في وصف النفس في قوله(ع) : «النَّفسُ‏ مَجْبُولَةٌ عَلَى سُوءِ الأَدَبِ وَ العَبْدُ مَأْمُورٌ بِمُلَازَمَةِ حُسْنِ الأَدَبِ وَ النّفسُ تَجْرِي فِي مَيْدَانِ المُخَالَفَةِ وَ العَبْدُ يَجْهَدُ بِرَدِّهَا عَنْ سُوءِ المُطَالَبَةِ فَمَتَى أَطلَقَ عِنَانَهَا فَهُوَ شَرِيكٌ فِي فَسَادِهَا وَ مَنْ أَعَانَ نَفسَهُ فِي هَوَى نَفسِهِ فَقَدْ أَشرَكَ نَفسَهُ فِي قَتلِ نَفسِه»   

    إنَّ ما یكمن في طبع الإنسان من جبلّات الخصال و رفض الحسنات و إساءة الأدب، هي ردّ الفعل في الحالات التي یقع الإنسان بها في المشاكل و لكن علی الإنسان أن یسیطر علی نفسه فیها و یتعامل بصبرٍ جمیل وبالتي هي أحسن.  

    فإنَّ النفس کثیراً ما تقع في میادین المخالفات و المیول إلی المعاصي ، و حینئذٍ یجب علی الإنسان أن یکون علی حذر و یسیطر علی ما یدور في نفسه من رغبات سیّئة، إذ أنّه حین یترك زمام الأمور إلی الجهل و الفساد فسوف یكون شریكا في ما حصل. إنَّ الإنسان الذي یخضع للرغبات السیّئة یكون سهیمًا في الرمي بنفسه إلی الإنحدار بل و حتی في قتل نفسه.2 

    و لذلك فإنَّ السیطرة علی النفس الأمّارة بالسوء هي من أهمّ الواجبات التي علی عاتق الإنسان و هي التي وُصِفَت في الكثیر من الروایات بأنَّ أكبر الجهاد الذي هو جهاد النفس، كما نری بیان ذلك في قول أمیرالمؤمنین عليّ بن أبیطالب(ع) «أَفضَلُ‏ الجِهَادِ مُجَاهَدَةُ المَرْءِ نَفسَه» 3 كما و جاء في روایة أخری قال فیها: « خَالِفْ نَفسَكَ تَسْتَقِمْ وَ خَالِطِ العُلَمَاءَ تَعْلَم»4 كما و أنّه(ع) قال: «مَنْ قَوِيَ عَلَى نَفسِهِ تَنَاهَى فِي القُوَّة» 5 و في الحدیث النبويّ الشریف قال رسول الرحمة و الرأفة(ص) «إنَّ الشَّدِيدَ لَيْسَ مَنْ غَلَبَ النَّاسَ وَ لَكِنَّ الشَّدِيدَ مَنْ‏ غَلَبَ‏ عَلَى‏ نَفسِه.»6 

    و الأمر المهمّ الذي یجب ذكره هنا هو أنَّ الإمام السجّاد (ع) ذكر «حقّ النفس مباشرة من بعد ذكر حقّ الله تبارك وتعالی» و هذا هو أهمّ ما علی عاتق الإنسان من أيِّ حقٍّ آخَر ، إذ أنَّ الإنسان هو أشرف الخلائق التي خلقها الله جلّ وعلا، و هذه الشرافة هي كون الإنسان بمثابة الخلیفة في الأرض و لحفظ هذه المنزلة الرفیعة ، یجب علیه أن یعرف نفسه بكلّ دقّة لیربِّیها بأجدرِ ما في وسعه. فما لا شك فیه هو أنَّ الصلاة خیر الوسائل التي تحفظ الإنسان من التیاه و الإفراط و التفریط.  

    و موضوع (الجهاد ضد النفس) هو الموضوع الذي فیه معارك البحث و الجدال بین «العُرَفاء» إذ أنَّ مقام العمل بالدقّة، له مجاله الخاص به ولذلك نری قول كبار الفقهاء والمفكرین «إذهب في السبیل الذي سلكه الهُداة» فیجب علینا أن نسیر في المسیر الذي سار فیه الأنبیاء الربّانیّین الذین هم أزکی الناس إذ أنَّ الله تبارک وتعالی هو الذي ربّاهم و ذلک هو خیر مایکون.   

     و لبیان أهمّیّة هذا الموضوع یجب أن نتمعّن في الروایة التي نُقِلَت عن حضور المجاشع عند الرسول الأکرم المصطفی الأمجد أبو القاسم محمّد (ص) و سأله بعض الأسئلة و منها: «کَيْفَ‏ الطَّرِيقُ‏ إِلَى‏ مَعْرِفَةِ الحَقِ؟‏ فَقَالَ(ص) مَعْرِفَةُ النَّفسِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ الطَّرِيقُ إِلَى مُوَافَقَةِ الحَقِّ؟ قَالَ مُخَالَفَةُ النَّفسِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ الطَّرِيقُ إِلَى رِضَاءِ الحَقِّ؟ قَالَ(ص) سَخَطُ النَّفسِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ الطَّرِيقُ إِلَى وَصلِ الحَقِّ؟ قَالَ هَجْرُ النَّفسِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ الطَّرِيقُ إِلَى طَاعَةِ الحَقِّ؟ قَالَ عِصيَانُ النَّفسِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ الطَّرِيقُ إِلَى ذِكرِ الحَقِّ؟ قَالَ نِسْيَانُ النَّفسِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ الطَّرِيقُ إِلَى قُرْبِ الحَقِّ؟ قَالَ التَّبَاعُدُ عَنِ النَّفسِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ الطَّرِيقُ إِلَى أُنسِ الحَقِّ؟ قَالَ الوَحْشَةُ مِنَ النَّفسِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ الطَّرِيقُ إِلَى ذَلِكَ؟ قَالَ الِاسْتِعَانَةُ بِالحَقِّ عَلَى النَّفس» 

     و بالنظر إلی المواضیع التي ذکرناها و التمعُّن في آیات کتاب الله المبین تبارک و تعالی و الأحادیث النبویّة و الروایات التي تخصُّ هذا الموضوع في الإسلام سوف یصل کلّ إنسان ألی نتیجة أنَّ معرفة النفس هي أفضل المعارف و أنفعها للإنسان و یجب علی کلّ إنسان أن یکون علی وعيٍ و حذر في مراقبة النفس و السیطرة علی المیول و الشهوات في کلّ لحظة من حیاته لکي لا ینحرف بها عن سواء السبیل و یسیر في طریق الطغیان و المعاصي و الإنحراف. 

    نرجو الله تبارك و تعالی أن یمنّ علینا جمیعًا بالتوفیق لفهم المعارف الدینیّة الإسلامیّة و نسأله جلَّ وعلا أن یُوَفِّقنا للتعمُّق في خشیته و طاعته  بالرغبة و المحبّة له و لأولیائه علی عتبة رحمته و أن نكون خَلوقین محسنین تجاه الآخرین من عباده و أن نحمده و نشكره علی كلِّ ما وهبنا من الهُدی وأن نهتمّ بكلِّ ما في وسعنا لمعرفة سبیل الرشاد والعمل الصالح و هو وليُّ كل توفیقٍ و له الحمد و الشكر علی كلّ النِّعَم. 

                                                                                 والسلام علیكم و رحمة الله وبركاته   


     


    تعليق



    عرض غير العامة