facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 84892
    تاريخ نشره : 10/9/2015 6:24:13 PM

    المعارف الإسلامیّة (158) الإسلام و حقوق الإنسان (34)

    الخطیب: مقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني
    09.10.2015



      بسم الله الرحمن الرحیم

    الحمد لله ربّ العالمین و الحمد لله الذي لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره، الحمدالله الذی لا شریك لَهُ في خلقه و لا شبیهَ لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سیّدنا و نبیّنا محمّد صلّی الله علیه وعلی آله الطیبین الطاهرین و أصحابه المنتجبین.  

    عباد الله أُوصیكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه .

    یدور بحثنا الیوم أیضًا عن «رسالة الحقوق» للإمام السجّاد (ع) و البیانات العمیقة المُركزة التي فیه عن الحقوق الأخلاقیّة و الإنسانیّة و هي التي فیها خیر التعالیم لمعرفة كرامة الإنسان.

    فنری في بدایة كلامه بیانُ أنَّ كلّ ما یعمله الإنسان وبأيِّ عضوٍ من أعضاء بدنه، فهنالك حقٌّ لذلک العضو و هنالك حقٌّ هو أولی من حقوق الآخرین وبدایة كلٌّ من تلك الحقوق یأتي من بَعدِ حقّ الله تبارك وتعالی علی الإنسان و ثمَّ الحقوقٍ الأخری بدایةً من حقّ كلٍّ من الأعضاء و الأفعال و الأعمال إلی الحقوق التي ترتبط بالمجتمع مثل حقّ الأصدقاء و الرُّفقاء و الأقرباء و الجیران و مَن هُم في نطاق مسؤلیّة الإنسان و الحكام العادلین و ... و لكلٍّ من هذه الحقوق دورها المهمّ في تنظیم الأمن و تحقیق الأهداف الإنسانیّة في الحیاة. 

    فالإمام السجّاد(ع) یؤكِّد في بیانه لهذه الحقوق في البدایة أنَّ أوّل الحقوق و أهمّها هي حقّ الله تبارك و تعالی علی الإنسان و من بعد ذلك حقّ النفس كما نری ذك في  تعابیره الجمیلة(ع): «وَ أَمَّا حَقُ‏ نَفْسِكَ‏ عَلَيْكَ فَأَنْ تَسْتَوْفِيَهَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ فَتُؤَدِّيَ إِلَى لِسَانِكَ حَقَّهُ وَ إِلَى سَمْعِكَ حَقَّهُ وَ إِلَى بَصَرِكَ حَقَّهُ وَ إِلَى يَدِكَ حَقَّهَا وَ إِلَى رِجْلِكَ حَقَّهَا وَ إِلَى بَطْنِكَ حَقَّهُ وَ إِلَى فَرْجِكَ حَقَّهُ وَ تَسْتَعِينَ بِاللَّهِ عَلَى ذَلِك. »

    و كثیرًا ما نری ذکر تعبیر النفس في آیات القرآن الكریم و في بیانات مختلفة و منها ما هو معنی الروح أو الذات أو القلب أو باطن الإنسان. و حین یتكلّم الحكماء عن النفس فإنّهُم یُقَسِّموها إلی ثلاثة أنواع و هي النفس النباتیّة و النفس الحیوانیّة و النفس الإنسانیّة، كما و هنالك تعابیر خاصّة للنفس حین ننظر إلیها من وجهة نظر درجات الكمال و من وجهة نظر السقوط و الرذالة، فهنالك تعابیر تخصُّها من قبیل میل الإنسان إلی الملذّات و خضوعه للشهوات الحیوانیّة فتُسمّی «بالنفس الأمّارة بالسوء» و هذه الحالات هي التي تجعل الإنسان یری بنظرة حسنة إلی الأعمال القبیحة حین تخدعه «النفس المُزَیِّنة» للقیام بالأعمال الحیوانیّة و قول الكذب و التظاهر الكاذب بالأعمال الغیر الصالحة و ذلك بالإنخداع تحت سیطرة «النفس المُسَوِّلة» كما نری خطاب یعقوب (ع) لأولاده کما جاء ذلک في قوله تعالی حین خاطب یعقوب (ع) أبناءه «قالَ بَل سَوَّلَت لكُم أنفُسَكُم أمرًا فَصَبرٌ جَمیلٌ وَ اللهُ المُستعانُ علی ما تَصِفون»


    و لكن حین یصحی الإنسان العاقل من غفلته التي قام خلالها بالأعمال القبیحة ، یحسّ بفطرته و یُؤنِّبَهُ ضَمیرَهُ و هذا هو ما یُقصَد في بیان «النفس اللوّامة» و لكن  حین یُسَیطِر عقل الإنسان علی ما جری في نفسه من شهوة أو غضب و یتجنّب السیِّئات، فحینئذٍ یكون مصداقًا لتعبیر «النفس المطمئنّة» و هذا هو الإنسان الذي حین یُلبّي نداء ربّ العالمین و یرحل إلی لقائه هو الذي یذكره الله تبارك و تعالی بتعبیر «راضیة مرضیّة». إنَّ تعبیر «راضیة» هوما یدور في نفس الإنسان من الإطمئنان و تعبیر «مرضیه» هو بیان مرضاة الله تبارك و تعالی من العبد الذي قد سعی بالحسنات و توصّل إلی ما رضي الله عزّ و جلّ عنه و جعله في زمرة الذین «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ» و هنالك یكون الإنسان المؤمن قد توصّل إلی المرحلة التي یشملهم الله عزّ و جلّ بما جاء في قوله تعالی: «يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ‏ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى‏ رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي‏» و في القرآن الكریم بیان الكثیر من هذه المراحل.

    ولذلك حین یخضع الإنسان إلی اللذات و ینخدع بها، یكون هو الذي جاء وصفه في القرآن الكریم بتعبیر «النفس الأمّارة بالسوء» و هي التي تدفع الإنسان للقیام بما هو لیس من صالحات الأعمال و لذلك یجب علی الإنسان أن یكون علی وعيٍ و یلجأ إلی الله تبارك و تعالی و یعتصم به جلّ و علا و یكون من الذین جاء ذكرُهُم في قوله تعالی : «وَ ما أُبَرِّئُ نَفْسي‏ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحيم» کما و إنّنا نری في آیة أخری في قوله تعالی : «وَ أَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى‏ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى»

    إنَّ النفس الأمّارة بالسوء هي التي تُزَیِّنُ القبائح من الأعمال للإنسان و تُرَغِّبَهُ للقیام بها ونری في القرآن الکریم ذکر النماذج من هذه الحالات و منها ما جری بین یوسف (ع) و إخوته أو ما قام به قوم موسی(ع) ممّا سوّلته لهم أنفسهُم في تزیین الکثیر من السیِّئات. کما و إنّنا نری في القرآن الکریم حالات أخری تمرّ بنفس الإنسان و تُحفِّزه للقیام بالأعمال السیّئة و تلومه حین یتجنّبها و خیر ما یکون هنا للإنسان هو تسلُّط وجدانه الأخلاقيّ وضمیره علیه لیمتنع من القیام بقبائح الأعمال، ویکون علی بصیرة وبیّنة لیری أنَّ تلک الأعمال لیست جدیرة للقیام بها، فعلینا أن نکون علی حذر حین نری ما جاء في القرآن الکریم في قوله تعالی : «لاأُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَة وَ لا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَة»

    إنَّ خلاصة ما جاء في تعبیر الإمام السجّاد (ع) هو أنَّ علی الإنسان أن یمیز الخبیث من الطیِّب و إن یسعی لتربیة نفسه، إذ لو إن لم یستمرّ الإنسان في المسیر التربويّ الصحیح، فإنَّه سوف یفقد کلّ ما یخصُّه في مکانته الحقیقیّة.

    نرجو الله تبارك و تعالی أن یمنّ علینا جمیعًا بالتوفیق لفهم المعارف الدینیّة الإسلامیّة ونسأله جلَّ وعلا أن یُوَفِّقنا للتعمُّق في خشیته و طاعته  بالرغبة و المحبّة له و لأولیائه علی عتبة رحمته و أن نكون خَلوقین محسنین تجاه الآخرین من عباده و أن نحمده و نشكره علی كلِّ ما وهبنا من الهُدی وأن نهتمّ بكلِّ ما في وسعنا لمعرفة سبیل الرشاد والعمل الصالح و هو وليُّ كل توفیقٍ و له الحمد و الشكر علی كلّ النِّعَم.                                                                                    والسلام علیكم و رحمة الله وبركاته 






    تعليق



    عرض غير العامة