facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 79814
    تاريخ نشره : 7/31/2015 6:23:22 PM

    المعارف الإسلامیّة (153) الإسلام و حقوق الإنسان (29)


    الخطیب: مقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني

    31.07.2015


     

     بسم الله الرحمن الرحیم

    الحمد لله ربّ العالمين نحمده و به نستعین و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شَبيهَ لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وَالصَلاة والسلام عَلی سَيّدنا وَنَبيّنا مُحَمَّدٌ صَلّی اللهُ عَليهِ وَعَلی آلِهِ الطاهرين وَأصحابِهِ المُنتَجَبين من الآن إلی قیام یوم الدین. 

         عبادالله ! أُوصيكُم وَ نَفسِي بِتَقوی الله وَ إتِّباعِ أمرِهِ وَ نَهیِه ، فإنَّ خیر الزاد التقوی.


    من بعد كلامنا في ما یخصُّ بحوث المقدّمات لحقوق الإنسان و النظر في الكثیر من الأمور المهمّة التي هي مدوّنة في الإعلامیّة العالمیّة لحقوق الإنسان، فلا بأس أن نتطرّق إلی البحث الكلّي و دراسة بعض الأمور التي لم تُدوَّن فیه بصورة كاملة و شاملة لنری بعض نقاط الضعف التي هي في لائحة حقوق الإنسان.

    إنَّ ما یجب ذكره هنا هو أنَّ هذه الإعلامیّة قد تمَّ تصویبها في الیوم العاشر من شهر كانون الأوّل لعام ألفٍ و تسعمائة و ثمانیة و أربعین (10/12/1948) ـ و ذلك من قِبَل الأكثریّة من أعضاء الأمم المتّحدة. و بالرغم من أنَّه لم یكن هنالك أيِّ رأي للمعارضة و لكن كان هنالك البعض من الدُّوَل التي لم تُصَوِّب و لم تعطي أيِّ رأي مثل دولة الإتِّحاد السوفیتي التي إتّخذت الوقفة الحیادیّة. إنَّ هذه الإعلامیّة تتكوّن من المقدّمة و 30 (ثلاثین) مادّة. و في المقدّمة بیان الهدف من تألیفها و تصویبها الذي هو ما تشمله من الأمور و شرح محتویاتها.

     و في المادّة الأولی منها بیان أهداف و فلسفة هذه الإعلامیّة و ما یخصُّ حقّ الحرّیّة و المساواة بین الناس بأجمعهم و بیان ضرورة كونهم ذوي الأخلاق الحسنة و التصرُّفات العقلانیّة. کما و جاء في المادِّة الثانیة التأكید علی أنَّ لكلّ الناس حقّ المساواة في التمتُّع بالحقوق الإنسانیّة و لا یجوز أيِّ تبعیض بینهم في التمتُّع بالحقوق التي تخصُّهُم و حرّیّتهم ، كما و فیه منع التمییز بین الناس بسبب جنسهم و نسلهم و لغتهم و دینهم و مذهبهم.

    و أمّا ما جاء في بنودها من المادّة الثالثة إلی المادّة الواحدة و العشرین، فهي الشرحٌ بالتفصیل لحدٍّ ما، فیما یخصُّ الحقوق المدنیّة و السیاسیّة للناس و هي التي منها لاتپأکید علی: حقّ الحیاة، الحرّیّة، الأمنیّة، و منع الزجر و التعذیب و التصرُّفات الغیرإنسانیّة و منع التوقیف و السجن و المؤاخذة من دون سبب و التبعید من دون سبب و حقّ المحاكمة بالعدل عند الضرورة و حقّ حفظ المجال الشخصيّ في الحیاة و حقّ المالكیّة و حقّ حریّة العقیدة و البیان و الإنتماء إلی الدین أو تغییر الدین و حرّیّة الإجتماعات والمشاركة فیها و حقّ حرّیّة الذهاب و الإیاب و حقّ التابعیّة و منع سلب تابعیّة الأفراد و حقّ الزواج و تشكیل العائلة و المساواة بین الرجل و المرأة في كلّ الأمور التي تخصُّ الزواج و مساواة حقّ الأفراد للمشاركة في الأمور الإداریّة العامّة للدولة والتأکید علی أنَّ الشعب هو المنشأ لأساسيّا  للسلطة للحكومیّة.

     و ما هو في المادّة 22ـ27 إثنان وعشرین إلی المادّة السابعٍة والعشرین، فهو بیان الحقوق الإقتصادیّة و الإجتماعیّة و الثقافیّة التي هي عبارة عن: حقّ الأمنیّة الإجتماعیّة و حقّ تمتُّع کلّ فرد بالأمان في المجتمع و حقّ الشغل و حقّ صیانة الأفراد من الحرمان من الشغل و حقّ الإستراحة و التمتُّع بساعات الفراغ عن العمل و حق العطلة السنویّة عن العمل و حقّ التمتُّع بالمستوی المناسب في الحیاة و حقّ الفُرَص للحصول علی العلوم و تعلُّم الفنون و . و . و هلمَّ جرّا.  

    إنَّ ما نراه في هذه المتون هو السعي لضمان تمتُّع الناس بالحقوق الإنسانیّة المذكورة و مسؤلیّة الحكومات للإلتزام بضمان هذه الحقوق و مراعاتها. 

    و في الموادّ الختامیّة بیان أنَّ هذه الحرّیّات لیست حرّیّات مطلقة و لذلك فیها المجال للدُّوَل لبیان الحدود لهذه الحُرِّیات و تدوینها و لكن بشرط أن لا یكون ذلك سببًا لفقدان روحیّة هذه النصوص أوالتعرَّض  لحقوق و حرّیّات الآخَرین و أن یكون فیها مراعاة الأبعاد الأخلاقیّة و الأنظمة العامّة و الرفاه الإجتماعيّ للجمیع. 

    و المحدودیّات الأخری لهذه القوانین هي القواهد و الأصول و المقرّرات التي هي للأمم المتّحدة التي تكون مبنیّة علی أساس البند الثالث من المادّة 29 التاسعة و العشرین و نصُّها هو أنَّ هذه القوانین یجب أن لا تكون خلافًا لأهداف و أصول الأمم المتّحدة.

    و من الضرورة بیان أنَّ المتون التي قد تمَّ تصویبها، لیس فیها أيَّةِ إلزاماتٍ للدول من الناحیة الحقوقیّة و أنّها مجرّد إعلامیّة.   

    فالجواب علی السؤال الذي یخصُّ أنَّ الأمور الكلّیّة التي في متون هذه الإعلامیّة التي تخصُّ الحقوق الإنسانیّة الصحیحة و في  بعضها حتّی البیانات بالتفصیل، فهل هنالك أمور لم تُذكر فیها؟ نعم إنَّ ما یلفت الأنظار هو أنَّ بعض الأمور التي لم یمّ تَدوینها فیها و منها مثلًا:    

    1.  إنَّ ترتیب متون هذه الإعلامیّة لیست مدوّنة وفقًا للأُسُس المنطقیّة ،بل إنّها تشیر إلی حقوق الإنسان بصورة غیر منتظمة ، و من دون أن یكون فیها أيِّ تقسیم ، من قبیل تقسیم حقوق الإنسان إلی القسمین الّذین هما الحقوق المادّیّة و الحقوق المعنویّة، أو الحقوق الفردیّة و الحقوق الإجتماعیّة أو تقسیم ما یخصُّ الحقوق الإجتماعیّة إلی حقوق ثقافیّة و حقوق سیاسیّة و هَلُمَّ جرّا. كما و أنَّ ما یخصُّ وجود الإنسان من ناحیة المعرفة الوجودیّة و المعرفة العرفانیّة و المعرفة القِیَمیّة و التفكیك بین حقوق الناس و كلّ ذلك لم یكن مذكورًا فیها.   

    2.  کما و لم یُذكر في هذه الإعلامیّة العلاقة بین الله تبارك و تعالی الذي هو الخالق للكون و الكائنات و مكانة الإنسان علی الهرم الذي أعلاه الباري جلّ و علا و لم تُذكر كلّ هذه الحقائق و بالرغم من أنَّ تعابیر الدین و المذاهب مذكورة فیه من دون أن یذكروا أنَّ الله جلّ و علا هو فوق كلّ موجود و أنَّه هو الذي یهدي الإنسان. كما و لم یُذكر أيٍّ من الأمور التي تخصُّ الحقوق الأخلاقیّة بین الناس. بالرغم من أنَّ الدین و الأخلاق من الضروریّات التي لا بدیل لها للحیاة الإجتماعیّة و خصوصًا في عصرنا هذا الذي هو الملیئ بالأمور المعقّدة. و لذلك یجب أن یتمّ تدوین النصوص و البنود المُكمِّلة لهذه الإعلامیّة لجبران هذه النقائص. 

    إنَّ ما نراه هنا هو أنَّ مكانة اللائیّة أو السكولاریّة تجاه الدین ظاهرة تمامًا في هذه الإعلامیّة و هذه هي النظرة التفریطیّة إلی الدین و هي التي حین لا یكون مراعاةً أو ملاحظة لها ، فسوف یؤدّي ذلك إلی الهرج و المرج في المجتمعات، إذ أنَّ عدم الإلتزام العمليّ بالأمور الدینیّة و الأخلاقیّة التي یجب أن تكون الأساس لتسنین و إجراء كلّ الموادّ في القوانین التي هي من حقوق الإنسان، فسوف لا تصل المجتمعات إلی أهدافها الإنسانیّة و عندئذٍ سوف ینتشر الظلم و العدوان و الفقر و إنعدام العدالة و التبعیض بین الناس و الكثیر من التشوُّهات الإجتماعیّة و السیاسیّة و تزداد یومًا بعد یوم. 

    فإن أردنا أن نُغیِّر النظرات و التحوُّلات الروحیّة و النفسیّة لضمان حیاتنا في أمنٍ و سلام في المجتمعات، فلا حلَّ لها سوی رجوع كل البشریّة إلی التمسُّك بالدین و التوسُّم بالأخلاق الحسنة. و هنا نری أهمّیّة الأنبیاء الذین بعثهم الله تبارك و تعالی لنشر المُثُل العلیا في الأخلاق و الأمور الإجتماعیّة و القِیَم الإنسانیّة و تحقیق كلٍّ من الحقوق الإنسانیّة و لذلك فقد بعث الله عزّ و جلّ رسوله الكریم المصطفی الأمجد أبو القاسم محمّد (ص) رحمةً للعالمین و إکمالً للدین و هذا الرسول (ص) هو الذي قال «إنَّما بُعِثتُ لأُتِمَّ مَكارم الأخلاق»

     نرجو الله تبارك و تعالی أن یمنّ علینا جمیعًا بالتوفیق لفهم المعارف الدینیّة الإسلامیّة ونسأله جلَّ وعلا أن یُوَفِّقنا للتعمُّق في خشیته و طاعته  بالرغبة و المحبّة له و لأولیائه علی عتبة رحمته و أن نكون خَلوقین محسنین تجاه الآخرین من عباده و أن نحمده و نشكره علی كلِّ ما وهبنا من الهُدی وأن نهتمّ بكلِّ ما في وسعنا لمعرفة سبیل الرشاد والعمل الصالح و هو وليُّ كل توفیقٍ و له الحمد و الشكر علی كلّ النِّعَم.       

                                                                                آمین یا ربِّ العالمین

                                                                                 والسلام علیكم و رحمة الله وبركاته 



    تعليق



    عرض غير العامة