facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 71820
    تاريخ نشره : 3/20/2015 5:59:22 PM

    المعارف الإسلامیّة (139) الإسلام و حقوق الإنسان (15)

    الخطیب: مقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني

    20.03.2015



    بسم الله الرحمن الرحیم

    الحمد لله ربّ العالمین و الحمد لله الذي لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره، الحمدالله الذی لا شریك لَهُ في خلقه و لا شبیهَ لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سیّدنا و نبیّنا محمّد صلّی الله علیه وعلی آله الطیبین الطاهرین و أصحابه المنتجبین.  

    عباد الله أُوصیكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه .

    لقد تطرّقنا في البحوث الماضیة لحد الآن إلی مختلف الوجهات التي تخصُّ حقوق الإنسان. و للحصول علی المفاهیم و الأسس التي تحتویهاتلک النصوص بصورة أوضح یمكن أن نُقارن وجهات النظر المختلفة مع بعضها. و لنری في البدایة الإعلامیّة العالمیّة لحقوق  الإنسان و نری ما یُقابلها في وجهات النظر الإسلامیّة. كما و إنَّنا نُقارن أیضًا ما جاء في البند الخامس و العشرین من حقوق الإنسان الذي تمَّ تصویبه في یوم 14/محرّم/1411 الذي یوافق یوم 14/8/1990المیلاديّ في القاهرة. كما و إنّنا نُقارن متن المادّة السابعة عشر من حقوق الإنسان و المواطنین الذي تمّ تصویبه في یوم 26/8/1789 في فرنسا.    

    فللنظر لما في الإعلامیة العالمیّة لحقوق الإنسان:

    إنَّ الإعلامیّة العالمیّة لحقوق الإنسان التي تتكوّن من 30 مادّة و التي قد تمَّ تصویبها في یوم 10/12/1948 من قِبَل المجمع العموميّ لهیئة الأمم المتّحدة و من بعد التصویب توجّه الرجاء إلی الأعضاء المشاركین لنشر هذه الإعلامیّة و إبلاغها إلی الجمیع بأيِّ وسیلة ما كان. و الجدیر بالذكر هو أنَّ هذه الإعلامیّة قد تمَّ ترجمتها إلی اللغات الحیّة في العالم لكي یستطیع الجمیع الإطلاع علیها و التمعُّن فیها.

    و قبل أن نبدأ بالتمعُّن في هذه البنود یجدر بنا أن نعلم أنَّ التمعُّن فیها هو من وجهة النظر الدینیّة ، أي أنَّ التحلیل و التدقیق یكون من وجهة النظر الإسلامیّة. كما و یمكن النظر إلی بعض الموادّ من وجهة النظر الغیر دینیّة. فما لا شك فیه هو أنَّ هذه الوجهات من التدقیق و البحث فیها یمكن أن تؤدّي بالذین هم أولي الأنظار المتخصِّصین في التدقیق و التحلیل بصورة أعمق و أدقّ و هذا هو أمرٌ طبیعيٌّ جدًّا. إنَّ هذه الإعلامیّات تكون قد دُوِّنَت و نُظِّمَت بأیدي الإنسان و لذلك فهي في حاجة إلی التدقیق و التحقیق من جدید وفقًا لمرور الزمان و التغیُّرات و التطوُّرات التي تحصل ، فلربَّما تكون هنالك حاجة إلی التدقیق من جدید و إضافة موادّ جدیدة أو إصلاح بعض البنود التي كانت قد صُوِّبَت وفقًا للشروط السائدة حینئذٍ.

    المادة الأولی: إنَّ ما جاء في المادّة الأولی من حقوق الإنسان هو أنَّ : « كلّ أفراد البشریّة قد وُلدوا أحرارًا و الكلّ متساوین في كیانهم و حقوقهم. كلُّهُم یتمتّعون بالعقل و یجب أن یتعاملوا فیما بینهم بالأخوّة و التساوي.» و هذه المادّة تُبیِّن أنَّ بعض الأمور و منها أنَّ خِلقة الإنسان تكون مقرونة ببعض الخصائص مثل الحرّیّة و الإرادة و العقل ، كما و نری بیان أنَّ أصول التعامُل بین الناس یجب أن یكون مبنیًّا علی أساس الأخوّة.  و عند التمعُّن البدائيّ في هذه المادّة، سوف تُطرَح بعض الأسئلة و منها :

    ·   هل إنَّ هذه المادّة هي مادّة حقوقیّة؟

    ·   أي بمعنی أن لو لم یكن تعامل الناس فیما بینهم مبنیًّا علی أساس الأخوّة ، فهل إنَّ ذلك هو ما یمكن أن یكون جریمة؟

    ·   فإن تمَّ ضیاع هذا النوع من الحقوق فمن هو أم من هم الذین یكونون مسؤلین عن متابعة هذه القضیّة ؟

    ·   كیف یمكن أن نتلقّی هذه المادّة كدستور قانونيّ؟

    ·   إنَّ ما یلفت الأنظار هو أنَّ هذه المادّة تشیر إلی النقاط التي تلفت نظر الإنسان إلی المعارف الوجودیّة ومنها:

    ·   اوّلاً هو أنَّ الإنسان یكون قد خُلِقَ حرًّا و النقطة الأخری هي أنَّهم جمیعًا یتمتّعون بنعمة العقل.

    ·   كما و فیها الإشارة إلی معرفة أنَّ كلّ الناس متساوین من الناحیة الحقوقیّة. 

    ·   و فیها التوصیة الأخلاقیّة علی تصرُّف الناس بالأخوّة في التعامُل مع بعضهم. 

    ·   و ما فیه الشك هو أنَّ هذه التوصیة الأخلاقیّة لها أیضًا آثارها الحقوقیّة، إلاّ إذا كان فیها بیان خاصٌّ یدلُّ علی أنَّ هذه الحقوق هي حقوق أخلاقیّة.  

    و الأمر الآخَر الذي یخصُّ هذه المادّة هو أنَّ بعض التعابیر هي تعابیر عامّة ، بل و إنَّ البعض منها مبهمة مثل «التصرُّف الأخويّ». فإنَّ السؤال المطروح هنا هو، ما هو التصرُّف الأخويّ؟ و ماهي المعاییر للتصرُّفات الأخویّة ؟ فلو إن كان الإنسان الذي هو مُلزَمٌ بالتصرُّف الأخويّ الذي هو تكلیفٌ یجب الإلتزام به، قد إنحرف و لم یلتزم به، فكیف یجب أن یكون التعامُل معه؟ و لذلك فهنالك ضرورة لتوضیح بعض البنود التي هي مدوّنة في هذه المادّة و محتویاتها. فخلاصة هذه المادّة القانونیّة یمكن تفسیرها بأنّ محتویاتها هي نصائح و مواعظ أخلاقیّة، كما و أنّها تشیر إلی كون الإنسان عاقلاً و قد خُلِقَ حرًّا، أي بمعنی أنّه یتمتّع بالإرادة و الإختیار.

    النظرة الإسلامیّة فیما یخصُّ المادّة الأولی:

    هنالك الكثیر من البحوث حول هذه المادّة من وجهة النظر الإسلامیّة. و منها ما لا شك فیه هو أنَّ الإنسان له أفضلیّة علی باقي المخلوقات من ناحیة كنه خلقته، إذ أنَّ الإنسان یتمتّع بما تفضّل الله تبارك و تعالی علیه بالقوّة العقلیّة علاوة علی كلّ الإمتیازات من ناحیة القوّة النباتیّة و الحیوانیّة و هذه القوّة هي التي یستطیع الإنسان أن یسعی بها إلی الهدی و التمعُّن في التعالیم التي جائت له في الوحي و العمل و الإلتزام بها. و ما لا شك فیه هو أنَّ العقل هو الدلیل لمعرفة سبیل الرشاد و الهدف من الخِلقة. و هذا الدلیل یكون سائر المفعول حین لا یقع الإنسان تحت سیطرة  قوی الشهوات أو الغضب و لكي یستعین به لتنظیم قواه ومیوله و رغباته في أفضل و أحسن ما یكون. إنَّ العقل هو ما یستفید الإنسان منه لتنظیم رغباته و طاقاته و قواه وفقًا لما جاء في الوحي من التعالیم الأخلاقیّة و العقائدیّة ، إذ أنَّ الوعید بالجنّة للمتّقین و التحذیر عن نار جهنّم للعاصین تؤدّي بالإنسان إلی أن یستفید من تربیة و توجیه كلّ قواه للتوصُّل إلی الفضائل الأخلاقیّة.

    إنَّ للعقل دوره المؤثِّر في تنظیم القُوی النفسیّة، بل و حتّی في المسائل الفكریّة و العقائدیّة. وأمّا ما یخصُّ المسائل العملیّة، فإنَّ العقل هو الذي یهدي الإنسان للتوجُّه إلی ذوي الخبرة عند حیرته لیری ما الذي یجب علیه أن یعمله و ماذا الذي یجب علیه أن یتركه وفقًا لتعالیم ذوي الخبرة المتخصِّصین في الأمور الدینیّة و المنطق لیقوم بأداء واجباته في الحیاة. إنَّ للعقل في الشریعة الإسلامیّة مكانة عالیة و مُكرّمَة لدرجة بحیث أنّها هي معیار الإنسانیّة كما نری بیان ذلك في قول أمیر المؤمنین (ع) أنَّ « الإنسانُ بِعقلِه ».

    كما و إنّنا نری الكثیر من الآیات في القرآن الكریم فیها بیان أنَّ الإنسان یجب علیه أن یدرك الأمور بالتعقُّل و التفهُّم و الإدراك الصحیح لموضعیّة الإنسان في الوجود و العالم و التوجُّه إلی المولی العزیز القدیر بارئ الخلائق أجمعین. فإن كان العقل من المواهب العظیمة التي تفضَّل الله تبارك و تعالی به علی الإنسان ، فسوف یعمل الناس حینئذٍ في المجتمعت الإنسانیّة كلُّهم وفقًا للعقل، و عندئذٍ تَنحلّ الكثیر من المشاكل التي یُواجِهَها الإنسان في حیاته، إذ أنَّ العقل هو الوسیلة لفهم و إدراك نظام الوجود و أنَّ في خِلقتِهِ هدفٌ و أنَّ نظام الوجود یدور وفقًا للحكمة الإلهیّة ، فإنَّ ذلك یوفّق الإنسان و یعینه لإیجاد الرابطة القویّة بین العبد و مولاه الذي خلقه و في أحسن ما شاء صوّره. و لذلک فیجب أن لا نری في العقل مجرّد وسیلة لتنظیم الحیاة الیومیّة، بل إنَّ عقل الإنسان هو الوسیلة لهدایته إلی الحیاة في کرامة و المعرفة و الحکمة و لِتُبَعِّد عن الأنانیّة. فما لا شکَّ فیه هو أنَّ العقل الفرديّ و الإجتماعيّ تمنع الإنسان و تحفظه من الوقوع في المشاکل من جرّاء الإفراط و التفریط و التعجُّل أو الإهمال و الکسل و بالعقل یهتدي الإنسان إلی التصرُّف بالعقلانیّة في مسیر حیاته. کما و أنَّ العقل هو الذي یعین المسؤلین في سَنّ القوانین و التضامُن بین الناس و الحمایة القویّة للأفراد و المجتمعات.

    ففي هذه المادّة التي فیها بیان وجود العقل في خلقة الإنسان إذن کلامٌ صحیح، و لکن ما یلفت الأنظار هو وجوب أن یتمّ السعي الحثیث لشرح المحتویات و المعاني التي فیها، کالملحق الذي یمکن إضافته إلیه، لکي تتوضّح مکانة العقل و أن لا تکون له مکانة واطئة، بل و یجب نصّ البیانات الدقیقة و العمیقة لشرح هذه التعابیر مع مراعاة توافقها مع العقل و الوحي، لکي یکون فیها الهدی في کمال و من دون أيِّ نقصٍ و نقیض.

    نسأل الله تبارك و تعالی أن یمُنَّ علینا جمیعًا بالهدی والعرفان والأخلاق الحسنة ومراعاة حقوق الآخرین أیًّا ما كانوا و التوفیق لطاعته و التوجّه إلیه جلَّ وعلا بقلبٍ سلیم ملیئٌ بالحبّ له و لعباده الصالحین والتعمُّق في الإیمان به والعمل الصالح في سبیله عزّوجلّ.

                                                                                                                    والسلام علیكم و رحمة الله و بركاته


    تعليق



    عرض غير العامة