facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 68970
    تاريخ نشره : 2/20/2015 6:29:47 PM

    المعارف الإسلامیّة (138) الإسلام و حقوق الإنسان (14)

    إنَّ الإنسان مُكوَّنُ من البعدین الذین أحدهما هو البعد المادّيّ و الآخَر هو البعد المعنويّ ، و لذلك فإنَّ الموادّ المدوّنة في حقوق الإنسان یجب أن تشمل مصالح كلا البعدین المادّي و المعنويّ علی حدٍّ سواءٍ. بالرغم من أنَّ المصالح المعنویّة یجب أن تكون هي البنود الأساسیّة و المصالح المادّیّة یجب أن تُساعد الإنسان في مسیره نحو الرشد و القِیَّم الإنسانیّة المعنویّة.
    الخطیب: مقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني

    20.02.2015



     بسم الله الرحمن الرحیم

    الحمد لله ربّ العالمین و الحمد لله الذي لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره، الحمدالله الذی لا شریك لَهُ في خلقه و لا شبیهَ لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سیّدنا و نبیّنا محمّد صلّی الله علیه وعلی آله الطیبین الطاهرین و أصحابه المنتجبین.  

    عباد الله أُوصیكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه .

    الموضوع : المعارف الإسلامیّة (138) الإسلام و حقوق الإنسان (14)

    لقد توصّلنا في الخطب الماضیة إلی نتیجة أنَّ حقوق الإنسان یجب أن تكون مدوّنة وفقًا لما هو مشترك بین الجمیع . كما و یجب أن تؤخذ جمیع الأمور التي تخصُّ الإنسان ، سواءً إن كانت فردیّة أو إجتماعیّة بصورة جدیرة و جیِّدة بنظر الإعتبار و أخذ المسؤلیّة تجاه هاتین الوجهتین ، كما و یجب أیضًا مراعاة المصالح الدنیویّة و المعنویّة للإنسان و حوائجه المادّیّة الحقیقیّة بكلّ دقّة و تمعُّن.

    فما لا شك فیه هو أنَّ النسل و المنشأ و القومیّة و الإنتماء إلی أیّة قبیلة ما كان و أیّة لغة ینطقون بها یجب أن لا یكون لها أيِّ دورٍ و تأثیرٍ في تدوین البنود الأساسیّة التي تُعیِّن حقوق الإنسان إذ أنَّ الأفراد هم الذین تتكوّن منهم المجتمعات و لذلك یجب أن تُحفَظ لهُم حقوقهم و الكلّ یقبلون هذه الحقیقة من دون أن تكون هنالك ضرورة لإراءة الأدلّة والبراهین ، إذ أنَّ قضیّة أنَّ كلّ فردٍ من أفراد المجتمعات هو إنسانٌ له حقوقه الإجتماعیّة و الشخصیّة أمرٌ واضحٌ یقبله الجمیع سواءً إن كان ذلك یخصُّ الرجل أو المرأة أو الصغار أو الكبار من أفراد المجتمعات صِغارُها وكبارُها و أیًّا ما كان نسلُهُم و لونُهُم من أبیضهم و أسودهم علی حدٍّ سواء.

    فلنری الأن ما هو الجواب علی السؤال المطروح عن ماهیّة خصائص حقوق الإنسان أو بتعبیر آخر متی نستطیع أن ندّعي أنَّ هذه البنود هي البنود الكاملة التي تشمل حقوق الإنسان؟ و لیس الجواب علی هذا السؤال سهلٌ یسیر! و لذلك فإنَّ ذوي الأنظار الذین یریدون الجواب علی هذا السؤال یجب علیهم التمعُّن بدقّة فیما یریدون بیانه.

    أهمّ الخصائص في نظام حقوق الإنسان

    فنشیر هنا بإختصار إلی أهمّ الخصائص التي یجب أن یشملها النظام الذي یخصُّ حقوق الإنسان:

    1.    الحق المحوري: إن الله تبارك و تعالی هو الحقُّ المطلق الذي خلق كلّ شیئ علی أساس الحقّ و العدل و جعل الحكمة في کنه كلّ المخلوقات. و إن أردنا درك تلك الحكمة ، یجب علینا أن نعرف الهدف من خِلقة كلّ مخلوق وضعه في مسیره. إنّ الإنسان هو أیضًا مخلوقٌ له هدفه  في هذا النظام الملیئ بالحكمة و لیس وجوده من دون غایة ، و لذلك فعلیه أن یسیر في هذا الهدف الذي قد عُیِّنَ له و هو المسیر في سبیل الحقّ و الحكمة. و للتوصُّل إلی معرفته ، یجب أوّلاً أن نعرف الأهداف من خلقته و ثانیًا معرفة القوانین التي تُدَوَّن له و التي یجب أن توصِّله إلی الهدف الذي هو مبنيٌّ علی أساس الحق.

    2.    أخذ البعد المادّي و المعنويّ للإنسان بنظر الإعتبار : إنَّ الإنسان مُكوَّنُ من البعدین الذین أحدهما هو البعد المادّيّ و الآخَر هو البعد المعنويّ ، و لذلك فإنَّ الموادّ المدوّنة في حقوق الإنسان یجب أن تشمل مصالح كلا البعدین المادّي و المعنويّ علی حدٍّ سواءٍ. بالرغم من أنَّ المصالح المعنویّة یجب أن تكون هي البنود الأساسیّة و المصالح المادّیّة یجب أن تُساعد الإنسان في مسیره نحو الرشد و القِیَّم الإنسانیّة المعنویّة.

    3.    التوجّه إلی البعدین الفردي و الإجتماعي للإنسان : إنَّ كلّ إنسان له جنبتین إحداهما هي الفردیّة و الأخری هي الإجتماعیّة و لكلٍّ منها حقوقها و حدودها و یجب أن تُراعی من ناحیة الشأن و المكانة عند تدوین القوانین التي تخصّها. كما و  یجب أن لا یتمّ تَضحیة إحداهما للأخری أبدًا، بل یجب حفظ نطاق مسؤلیّة كلّ منهما لحاله و شأنه.

    4.     تنظیم الراوبط البشریّة الإنسانیّة بصورة صحیحة :  إنَّ من الخصائص المهمّة في بنود حقوق الإنسان هي بیان الوجهة الصحیحة لعلاقة الإنسان بالمولی العزیز القدیر و إرتباطه مع الناس الآخرین و موقفه تجاه المحیط الذي یعیش فیه. و الحقیقة هي أنَّ القوانین الشاملة لكلّ الشروط التي تخصّ الإنسان تشمل كلّ ما یخصُّه.

    5.    جامعیّة قوانین حقوق الإنسان : إنَّ القانون الذي یخصُّ الإنسان یجب أن لا ینحصر علی شمول الوجهات الوجودیّة الإنسانیّة من الجسم و الروح الفردي و الإجتماعيّ فقط ، بل و یجب أن تشمل كلّ الحقوق الإنسانیّة بدایة من الحقوق التي تشمل حقّ الحیاة و الحرّیّة و غیرها إلی حقّ المالكیّة و حقّ الإنتخاب و غیرها من الحقوق الأخری.    

    6.    التوجّه ألی حقّ الخالق ـ جلّ و علا ـ الذي خلق الإنسان : إنَّ أهمّ الحقوق التي یجب علی الإنسان أن یتوجّه إلیها هو حقّ المولی العزیز القدیر الذي خلقه و في أحسن ما شاء صوّره. و أكبر إشتباه یقع فیه الإنسان هو أن ینصرف عن التوجُّه إلی الله تبارك وتعالی في حیاته. إنَّ الله جلّ و علا هو الذي خلق الإنسان و فضّله علی الکثیر ممّا خلق ویعرف كلّ حوائجه و بناءًا علی ذلك أعطاه مكانته العلیا في الحیاة الدنیا. و لذلك فیجب علی الإنسان أن یقوم بأداء هذا الحقّ العظیم الذي هو أولی الحقوق. و إن كان هنالك إنسانٌ ینكر الله تبارك و تعالی و لا یجعل له مكانة في حیاته ، فیجب إثبات هذه الحقیقة المطلقة له ، و هذا ما یتطلّب الكلام و البحث حوله في مجالٍ أخَر.

    7.    التوجُّه إلی الأمور المشتركة بین الناس: إنَّ الأمور المشتركة بین الناس یجب مراعاتها بأجمعها ، أي أنَّ ما یخصُّ الإنسانیّة یجب أن یكون خالیًا من الأمور التي تخصُّ لون الإنسان و نسله و منشائه و الآداب و الرسوم التي هي من أصول الحضارة التي في المحیط الذي قد وُلِدَ فیه و نشأ فیه. إنَّ معرفة الأصول المشتركة بین كلّ الناس یمكن أن تكون الأرضیّة التي تمهِّد سَنّ القوانین التي تشمل كلّ الناس. و في الحقیقة یجب أن یُسعی لمعرفة كلّ المشتركات بین الناس بأجمعهم و حینئذٍ تكون النتیجة هي الإدراك الصحیح للحقوق و المسؤلیّات.  

    8.    كونها قابلة للإسدلال: إنَّ نظام حقوق الإنسان یجب أن یكون قابلاً  للتوافق مع البراهین و الدفاعات العقلانيّة ، أي بمعنی أنَّ كلّ بندٍ من بنود القوانین التي تخصُّ الإنسان یجب أن تكون مقبولة عند الجمیع و مبنیّة علی الإستدلالات المنطقیّة المنظّمة و لا یجوز أن یتمّ الإكتفاء بالأمور التجربیّة. فیجب إذًا الإستناد علی الأسُس الجذریّة و أن یكون الحقّ هو المحور لتدوینها. و لذلك إذا كان نظامٌ لا یستند علی الأُسُس الحقیقیّة و الأولویّة المطلقة ، فلا یمكن أن تُقدَّم البراهین للنصوص التي تمّ الإستناد علیها.

    9.    أن یكون لها الضمان للإجراء : إنَّ أحسن الأنظمة التي تخصُّ حقوق الإنسان هي التي تتواجد فیها الشروط لإجرائها و تطبیقها. فلا یجوز إذن أن یتمّ الإكتفاء فیها بالشعارات و النصوص المدوّنة فقط ، أو أن لا یكون فیها الضمان للتطبیق و الإجراء. أي بمعنی أن لو أنّها كانت تحتوي علی ضمان منافع و مصالح جمعٌ خاصٌّ من الناس أو حزبٍ مُعَیَّنٍ من الأحزاب و تسعی كلّ القوی لإجراء تلك القوانین ، من دون أن تكون فیها ضمان حقوق الذین لیس في وسعهم الدفاع عن أنفسهم.

    10.التوجُّه إلی الأخلاق : إنَّ الأخلاق و المعنوّیّات أي بتعبیر آخَر، إنَّ المصالح المعنویّة التي لها الإرتباط المباشر مع حقوق الإنسان یجب أن تكون مبنیّة علی أُسُس الأخلاق و القیَم الإنسانیّة في إجرائها.  

    11.التوافُق بین البنود : إنَّ نظام حقوق الأنسان یكون كاملًا حین تتوافق جمیع بنودها وأن لا یكون أيِّ تناقُضٍ فیما بینها ، بل یجب أن یكون نظامٌ فیه التوافق في كلّ بنوده و أن لا یكون أيّی تناقُضٍ فیه. بل و یجب أن یكون نظامٌ فیه التناسُب و التوافُق في جمیع بنوده و أن لا یكون هنالك أيِّ تناقضٍ في حقوق الإنسان. أي بتعبیر آخَر یجب أن تكون أيِّ بندٍ من البنود المذورة فیه متطابقٍ متكاملٍ مع البنود الأخری و یجب أن یكون أيٍّ من بنود حقوق الإنسان مكمِّلة للبنود الأخری و تشمل الأبعاد الجسمانیّة و الروحیّة و الفردیّة و الإجتماعیّة.

    12.الشفافیّة و الخلوّ من المبهمات : إنَّ أحسن الأنظمة لحقوق الإنسان هي التي تمّ تدوینها من دون أیّة مبهمات یمكن تفسیرها بوجهتین أو أمثال ذلك ، فیجب إذن الإستفادة من التعابیر الواضحة الغیر مبهمة والتجنُّب عن التعابیر التي لها وجهتین ، بل یجب أن تكون كلّها واضحة شفّافة في المحتوی. و هذا الأمر هو أمرٌ مهمٌّ جدًّا، إذ هنالك من الناس من یسیؤن الإستفادة منها لتحقیق أغراضهم، في حین أنَّ في تدوین حقوق الإنسان یجب أن یتمّ الإستناد علی المنابع المعتَمَدة و المشتركة، كما و یجب أن تكون المواد المدوّنة لها الإرتباط الوثیق بالإنسان و في كلّ منها عند الضرورة التوضیح للبنود الأخری بكلّ وضوح و شفّافیّة و أن لا یكون فیها إبهامٌ لأيِّ أحد.

    و علاوة علی ذلك نری الموارد الخاصّة التي ذُكرت في أحسن نظام حقوق الإنسان بإختصار یمكن أن تكون هنالك موارد أخری تُعتبر بنوعٍ خاصٍّ من الخصائص لها.

     نسأل الله تبارك و تعالی أن یمُنَّ علینا جمیعًا بالهدی و العرفان و الأخلاق الحسنة و مراعاة حقوق الآخرین أیًّا ما كانوا و التوفیق لطاعته و التوجّه إلیه جلَّ وعلا بقلبٍ سلیم ملیئٌ بالحبّ له و لعباده الصالحین والتعمُّق في الإیمان به والعمل الصالح في سبیله عزّوجلّ.

                                                                                                                                  والسلام علیكم و رحمة الله و بركاته


    تعليق



    عرض غير العامة