facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 65251
    تاريخ نشره : 12/26/2014 6:26:14 PM

    المعارف الإسلامیّة (132) الإسلام و حقوق الإنسان (8)

    و ما لا شك فیه هو أنَّ من أراد التفسیر غیر الأئمّة المعصومین من بعد الرسول الأكرم (ص) یمكن أن یقع في إشتباه و لا یمكن الإستناد علی تفسیر من لم یستند علی الوحي. و لذلك یجب أن یسعی المتخصِّصین لإقتباس الأحكام لسن مفردات القوانین لحقوق الإنسان من مصادر الوحي.

    الخطیب: مقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني

    26.12.2014


    بسم الله الرحمن الرحیم

    الحمد لله ربّ العالمین و الحمد لله الذي لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره، الحمدالله الذی لا شریك لَهُ في خلقه و لا شبیهَ لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سیّدنا و نبیّنا محمّد صلّی الله علیه وعلی آله الطیبین الطاهرین و أصحابه المنتجبین.  

    عباد الله أُوصیكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه .

    لقد تبیّن لنا في الخطب الماضیة أنَّ الذي یُعَیِّن حقوق البشر و یسنُّ القوانین التي تُنَظِّمَها لم یكن قادرٌ علی ذلك إلّا الله تبارك و تعالی فإنّه هو الذي خلق الإنسان و منه جلّ و علا یكون المصدر الوحید لسنّ القوانین الإجتماعیّة لحقوق الإنسان. و ما لا شك فیه هو أنَّه حین یكون الكلام عن حقوق الإنسان یجب مراعاة ما هو مشتركٌ بین جمیع أفراد المجتمعات البشریّة بصورة عادلة و متساویة. و حین نتمعّن في الآیات الإلهیّة من وجهة النظر هذه ، نری أنَّ ما هو مشتركٌ بین جمیع أفراد البشریّة هي فطرة الإنسان التي لها أربعة خصائص أساسیّة و هي: 

    1ـ إنَّ محور حیاة الإنسان هو التوجُّه إلی الله تبارك و تعالی و الرغبة لمعرفته و عبادته.    

    2ـ هذه الغریزة تكمن في خِلقَةِ كلِّ إنسان .              

    3ـ إنّ هذه الغریزة لیست إكتسابیّة.                                            

    4ـ هي محفوظة من كلّ تغییرٍ و تبدیل.

    كما نری بیان ذلك في قوله تعالی: « فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتي‏ فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْديلَ لِخَلْقِ اللَّهِ. » فلو إن تفتّحت هذه الإحساسات في نفسیّات كلّ الناس لعاشوا جمیعًا في صلحٍ و أمان و رغدٍ و سعادة.

    و لذلك فحین یعمل كلّ إنسان وفقَا لمتطلّبات فطرته بصورة إیجابیّة ، سوف یكون النموّ الفكريّ و الأخلاقيّ و المعنويّ ما یتوصّل إلیه الجمیع ویرتقي المجتمع الأنسانيّ عندئذٍ إلی مرحلة عالیة من الكمال بحیث أنَّ التعامُل بین الناس بأجمعهم یكون بأحسن ما یمكن و وفقًا للقیَم الإنسانیّة المبنیّة علی التعالیم الإلهیّة ، إذ أنَّ « الحقّ » و« الحقّ المبین » هو الله تبارك و تعالی كما و أنَّ منشأ الحقّ بین الناس لم یكن إلّا منه جلّ و علا ، كما نری بیان ذلك في قوله تعالی «الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ» وعندئذٍ یكون كلّ باطلٍ و سهوٍ و نسیانٌ بعیدًا عن الأخلاق الإنسانیّة. 

    و السؤال المهمّ هنا هو كیف یمكن أن یكون في القرآن الكریم الذي أُنزِلَ قبل 1400عامًا الأجوبة علی كلّ الأسئلة التي تخصُّ حقوق البشر لیومنا هذا ؟ فهل من الممكن أن نری في القرآن الكریم الأجوبة علی كلّ الأسئلة التي یتقابل معها الناس فیما یخصُّ حقوق البشر في أيِّ عصرٍ و زمان ؟

     و في الجواب علی هذه الأسئلة یمكن أن نقول أنّه حین یكون الكلام عن حقوق البشر ، فلا یمكن أن تكون هنالك فروقٌ بین حقوق البشر بالأمس و في یومنا هذا و لا ما یخصُّ حقوقه غدًا!

    بل إنَّ حوائج الإنسان مشتركة بین كلّ الناس من بدایة الخِلقة ، فنری مثلاً قضایا مثل ما یحبّها الإنسان في تصرُّفات الناس مع بعضهم و عدم الظلم و الجور علی الآخَرین و حفظ الكرامة بین الرجل و المرأة و التصرُّف بالتعقُّل و التفكر والعدالة و التعامُل فیما بینهُم بالصدق و الصراحة و الأخلاق الحسنة و حتّی في المجال السیاسي و الحكومات و الأمور الإقتصادیّة و حفظ حقوق المرأة و مكانتها في العائلة و في المجتمع و توزیع الثروات بصورة عادلة و هلمَّ جرّا.

    إنَّ هذه الأمور لیست ما كانت تقابل الناس و یحتاجون تنظیمها في الماضي فقط ، بل إنَّ كلّ هذه الأمور هي الأمور الأصولیّة الأساسیّة التي یتواجَه معها الناس في كلّ عصرٍ و زمان.

     و لذلك فإنَّ في القرآن الكریم كلّ ما یخصُّ الإنسان من تنظیم أمور حقوقه و مكانته في المجتمعات كما نری بیان ذلك في قوله تعالی:« وَنَزَّلْناعَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ء »  كما و رُويَ عن الإمام الصادق (ع) ما قاله في هذا الخصوص و هو : «إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَنْزَلَ‏ فِي‏ الْقُرْآنِ‏ تِبْيَانَ‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ حَتَّى وَ اللَّهِ مَا تَرَكَ اللَّهُ شَيْئاً يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْعِبَادُ حَتَّى لَا يَسْتَطِيعَ عَبْدٌ يَقُولُ لَوْ كَانَ هَذَا ‏أُنْزِلَ فِي الْقُرْآنِ- إِلَّا وَ قَدْ أَنْزَلَهُ اللَّهُ فِيهِ»

    و قال الإمام الباقر (ع) في روایة : « إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمْ‏ يَدَعْ‏ شَيْئاً يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْأُمَّةُ إِلَّا أَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ وَ بَيَّنَهُ لِرَسُولِهِ ص وَ جَعَلَ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ حَدّاً وَ جَعَلَ ‏عَلَيْهِ دَلِيلًا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَ جَعَلَ عَلَى مَنْ تَعَدَّى ذَلِكَ الْحَدَّ حَدّاً. »

    و یُروی عن الإمام الصادق (ع) قوله :« كتَابُ‏ اللَّهِ‏ فِيهِ‏ نَبَأُ مَا قَبْلَكُمْ وَ خَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ وَ فَصْلُ مَا بَيْنَكُمْ وَ نَحْنُ نَعْلَمُهُ. »

    فلو إن سعینا لفهم الأیات في القرآن الكریم بكلّ دقّة ، لوجدنا كلّ ما نبحث عنه ممّا یخصُّ الإنسان و سوف لا نبقی في حیرة و شكوك و لا أن نبقی متحیِّرین في أیّة مرحلة و أيِّ عملٍ، بل و سوف نحصل علی كلّ ما یخصُّ حقوق الإنسان من الآیات التي تخصّها في القرآن الكریم.

    و بالتوجُّه إلی أنَّ في القرآن الكریم ذكرُ كلَّ الأمور التي تخصُّ الإنسان و من كلّ الأبعاد علی إختلافها و فیه ذكر كلّ الحوائج الحقیقیّة للإنسان، فنستطیع أن نستند علی الآیات التي فیه ، لِسَنّ القوانین الإجتماعیّة ، و لكن هذه الأمور یجب أن تُجری من قبل المتخصِّصین في تفسیر القرآن الكریم كمانری تحدید ذلك في قوله تعالی: « وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ »

    و كما تطرّقنا إلی الأمور المشتركة بین كلّ أفراد البشریّة علی وجه البسیطة و أنّها لا تنحصر علی زمانٍ محدودٍ و علی قومٍ خاصّ ، بل إنَّ كلّ هذه الحاجات یمكن أن تحصل في أيِّ زمانٍ و مكانٍ ما كان.

    و ما لا شك فیه هو أنَّ من أراد التفسیر غیر الأئمّة المعصومین من بعد الرسول الأكرم (ص) یمكن أن یقع في إشتباه و لا یمكن الإستناد علی تفسیر من لم یستند علی الوحي. و لذلك یجب أن یسعی المتخصِّصین لإقتباس الأحكام لسن مفردات القوانین لحقوق الإنسان من مصادر الوحي.

    عسی أن یمُنَّ الله تبارك و تعالی علینا جمیعًا بالهدی و العرفان و مراعاة حقوق الآخرین أیًّا ما كانوا و التوفیق لطاعته و التوجـُّه إلیه جلَّ وعلا بقلبٍ سلیم ملیئٌ بالحبّ والإیمان به و العمل الصالح في سبیله عزّ و جلّ.

    والسلام علیكم و رحمة الله و بركاته


    تعليق



    عرض غير العامة