facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 196870
    تاريخ نشره : 12/8/2018 2:20:26 PM

    معرفة القرآن (11)

    معرفة القرآن (11)

    خطبة الجمعة لحجة الإسلام والمسلمين الدكتور الشيخ مفتح مدير وإمام المركز الإسلامي في هامبورغ

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين.

     عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهيه.

    الموضوع: معرفة القرآن (11)

    اليوم نجيب عن السؤال الثالث بعد أن أجبنا عن السؤالين السابقين في الأسابيع الماضية، والسؤال الثالث هو إلى أين سنذهب بعد انتهاء الحياة في هذا العالم؟ يظن البعض أن الروح بعد الموت ترجع في جسد آخر، وأننا جميعاً هكذا. اختبرنا الموت والآن نعيش في أجساد أخرى. البعض يعتقد أن الإنسان يعود بعد موته في جسد أحد الحيوانات ولهذا تكنّ بعض الثقافات احتراماً خاصاً لبعض الحيوانات، فمنهم من يقول هؤلاء أجدادنا رجعوا إلى الدنيا وغيرها من الخرافات. لكن السبب وراء كل هذه الخرافات هو عدم تقبّل الإنسان لفكرة انتهائه وفنائه بالموت، وأنه لا بد أن يكون خالداً أبدياً، وهذا ما جاءت به الرواية عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: «ما خلقتم للفناء بل خلقتم للبقاء، وإنما تنقلون من دار إلى دار»[1]

    هذه هي أمنية الإنسان التي عجنت بأصل وجوده، وهي نقطة الضعف التي استغلّها الشيطان لإغواء آدم. القرآن الكريم يشير إلى هذه النقطة في الآية الكريمة: «فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى ﴿طه:۱۲۰﴾»

    المعاد و عالم ما بعد الموت

    نزلت في الفترة الأولى على رسول الله آيات تتحدث عن المعاد وعن عالم ما بعد الموت من قبيل هذه: «إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ؛ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ؛ وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ؛ وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ؛ وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ؛ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ؛ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ؛ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ؛ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (تکوير: 1-9)»

     وتحتوي الآيات القرآنية على مفاهيم ومضامين متنوعة حول المعاد منها:

    1.     إثبات المعاد وإمكانية تحقّقه

    2.     حالة السماوات والكواكب والأرض والمخلوقات يوم القيامة و عند المعاد

    3.     حالة البشر يوم القيامة وفي المعاد

    4.     أوصاف الحياة الآخرة ووضع الناس في عالم الآخرة

    1.     كذلك يمكن تقسيم آيات إثبات المعاد والإحتجاج على المنكرين إلى خمسة أقسام:

    1.1.          آيات تؤكد فقدان الدليل على إنكار المعاد وهي بمثابة نزع سلاح المنكرين.

    1.2.          آيات تشير إلى ظواهر تشبه المعاد، وبالتالي تنفي الإستبعاد.

    1.3.          آيات تدحض شبهات منكري المعاد و تثبت إمكان تحقّقه.

    1.4.          الآيات التي تعتبر المعاد وعداً إلهياً حتمياً لا يتخلّف.

    1.5.          الآيات التي تحمل إشارات إلى براهين عقلية على ضرورة المعاد.

    الأقسام الثلاثة الأولى هي في الحقيقة تدور حول إمكانية المعاد، والقسمين الآخرين يدوران حول تحقق المعاد وضرورته. من أساليب الإحتجاج القرآني على أصحاب العقيدة الباطلة هي طلب دليل يثبت عقيدتهم، لكي يتّضح افتقارهم لأي أساس عقلي أو منطقي، كما جاء في الآيات: «قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ...» (بقره:111؛ انبياء:24؛ نمل:64)

    كما تشير مجموعة مشابهة من الآيات إلى بطلان عقائد المنكرين للمعاد فهم ليس لديهم "علم" ويتّبعون "الظن" بدلاً من التمسك بالبراهين، فاكتفوا بالظنون المخالفة للواقع. (مؤمنون:117؛ نساء:157؛ انعام:100، 119، 148؛ كهف:5؛ حج:3، 8، 71؛ عنكبوت:8؛ روم:29؛ لقمان:20؛ غافر:42؛ زخرف:20؛ نجم:28)

    كما يقول الله تعالى فيمن أنكر المعاد: وَ قالُوا ما هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَ نَحْيا وَ ما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ وَ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْم إِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ (جاثيه:24)

    الظواهر الشبيهة بالمعاد

    الف- نبات الزرع: تشبه عودة الإنسان إلى الحياة بعد الموت الزرع الذي ينبت في الأرض بعد يباسه وموته. التأمل في هذه الظاهرة التي يراها كل الناس تجعلهم يدركون وجود احتمال حياتهم بعد الموت. إن اعتياد الناس لهذه الظاهرة هو السبب في الغفلة عنها والتعاطي معها باستخفاف، وإلا فلا فرق بين أي موجود حي والإنسان من ناحية عودته إلى الحياة بعد الموت. وقد لفت القرآن أنظار الناس إلى هذه الظاهرة كرّاتٍ عديدة وشبّه قيامة الإنسان بها:

     

    فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَ هُوَ عَلى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ (روم:50)

    ب- نوم أصحاب الكهف: يذكر القرآن الكريم قصة أصحاب الكهف العجيبة ثم يقول:

    وَ كَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللّهِ حَقٌّ وَ أَنَّ السّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها...» (كهف: 21)

    لا شك أن كل من يطّلع على هذا الحدث، وهو نوم مجموعة من الأشخاص لمدة 309 سنوات قمرية، ثم الإستيقاظ سيتعجّب. من الناحية العلمية كان من المفروض أن تضمحلّ أجساد هؤلاء و تفسد وتخسر قابليتها لاستقبال الروح العائدة. إذن يمكن لحادثة من هذا النوع أن تلفت نظر الإنسان إلى ما وراء هذا النظام الطبيعي المعتاد وتجعله يدرك أن عودة الإنسان إلى الحياة بعد الموت ليست ممتنعة وإن خالفت ما اعتدناه من موت وحياة في هذا العالم، وهذا وعد إلهي لا شكّ في تحقّقه.

    ج- انبعاث الحيوانات إلى الحياة: كذلك يشير القرآن إلى قصة انبعاث الحياة في الحيوانات، ومنها الطيور الأربعة التي أحياها الله على يد إبراهيم عليه السلام:

    وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ...﴿بقره:۲۶۰﴾ 

    د- عودة بعض الأشخاص إلى الحياة في هذا العالم: مرّ أحد أنبياء بني إسرائيل في سفره على مدينة هلك سكّانها، واستغرب كيفية عودة أهل هذه المدينة إلى الحياة، ويقول القرآن الكريم في هذا المجال:

    أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿بقره:۲۵۹﴾

     

     



    [1] شيخ صدوق، الاعتقاد، باب ۱۵، ص47


    تعليق



    عرض غير العامة
    تصویر امنیتی :