facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 196722
    تاريخ نشره : 12/1/2018 2:31:36 PM

    معرفة القرآن (10)

    معرفة القرآن (10)

    خطبة الجمعة لحجة الإسلام والمسلمين الدكتور الشيخ مفتح مدير وإمام المركز الإسلامي في هامبورغ

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين.

     عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهيه.

    الموضوع: معرفة القرآن (10)

    اَلْحَمْدُ لِلّهِ بِجَمِيعِ مَحَامِدِه کُلِّهَا عَلَی جَمِيعِ نِعَمِهِ کُلِّهَا... اَلْحَمْدُ لِلّهِ مالِکِ الْمُلْکِ مُجْرِی الْفُلْکِ مُسَخِّرِ الرِّياحِ فالِقِ الاْصْباحِ ديّانِ الدّينِ رَبِّ الْعَالَمينَ اَلْحَمْدُ لِلّهِ عَلی حِلْمِهِ بَعْدَ عِلمِهِ وَالْحَمْدُ لِلّهِ عَلی عَفْوِهِ بَعْدَ قُدْرَتِهِ وَالْحَمْدُ لِلّهِ عَلی طُولِ اَناتِهِ فی غَضَبِهِ وَهُوَ قادِرٌ عَلی ما يريدُ.

    ثم الصلاه و السلام علی محمد عبده و رسوله ارسله بالهدی و دين الحق ليظهره علی الدين کله و لو کره المشرکون.اوصيکم عباد الله و نفسی بتقوی الله و اتباع امره و نهيه، و اخوفکم من عقابه.

    تحدثنا الأسبوع الماضي عن إجابات القرآن الكريم عن السؤال الثاني، أي السؤال عن هدف خلق السماوات والأرض وخلق الإنسان، وذكرنا أن الهدف هو وصول الإنسان عبر التكامل إلى مقام العبودية والقرب الإلهي لينال السعادة الأبدية والحياة الخالدة. كما تعرّضنا الأسبوع الماضي لمواضيع طرحها القرآن الكريم في مجال التربية وهداية الإنسان كمقدمة لاستكمال هدف الخلق.

    الموضوع التالي الذي يتوقع الجميع أن يطرحه القرآن هو السؤال عمّا يجب فعله، وهذا يعني الكشف عن الأحكام العملية:

    3.        الأحكام العملية

    من المعروف أن آيات الأحكام خمسمائة، وهي الآيات التي تتضمّن الأحكام الفقهية والتكاليف العملية[1]؛ وقد ألف علماء الإسلام كتباً متعددة في تفسير هذه الآيات أطلق عليها عنوان التفسير الفقهي أو فقه القرآن مثل «فقه القرآن للقطب الراوندي» أو عنوان آيات الأحكام كما في كتاب «آيات الأحکام للجرجاني»، و أحكام القرآن ككتاب «أحکام القرآن لابن عربي».

    أهمية آيات الأحكام في الإستنباط

    يعد القرآن الكريم المصدر الأهم والأول للشريعة الإسلامية، بينما تؤدي السنة دور شرح الكتاب، ولهذا كان القرآن معيار صدق الروايات، حيث يُقبل منها ما وافقه ويُرفض ما يخالفه، ولذلك عدّت معرفة آيات الأحكام شرطاً من شروط الإجتهاد.

     خصائص أحكام القرآن

    بما أن القرآن الكريم كتاب هداية و تربية، فقد طرح كل ما يحتاجه الإنسان للإهتداء إلى السعادة الحقيقية والخالدة، ومن ضمنها المواضيع الفقهية المتلائمة مع هذا الهدف، وهذا ما جعل آيات الأحكام تختلف عن الكتب الفقهية وكتب الحقوق، فمن هذه الخصائص:

    1.      التبيين العام والمختصر

    يجري بيان الأحكام عادة بعبارة مضغوطة على سبيل الإشارة، وهذا يفيد في استنباط خصوصيات الأحكام بما يناسب الظروف المختلفة. يقول الله تعالى في كتابه الكريم: « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (المائدة:۱)» و «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ (النساء:۲۹)»

    2.      مساوقة الإنذار والتبشير لبيان الأحكام

    بيّن القرآن الكريم الأحكام بأسلوب جذاب حيث صَحِب هذا البيان تهديد وإنذار وحيث نجد لغة التشريع تتغيّر بحسب الموضوع:

    -         يستخدم القرآن الأسلوب اللطيف في بيان الوصية: «کُتِبَ عَلَيکُم إِذا حَضَرَ أَحدَکُمُ المَوتُ إِن تَرَکَ خَيرًا الْوَصِيّةُ لِلولِدَينِ و الأَقرَبِينَ بِالمَعرُوفِ حَقّـًا عَلَی المُتَّقين (بقره:180)».

    -         وعند الحديث عن وجوب الصيام يستخدم القرآن لحن التشجيع من خلال ذكر نتيجة الصيام: « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (بقره:183)».

    -         إستخدم القرآن الكريم أحياناً لحن التهديد في بيان الأحكام مبيناً نتائج ترك الواجب، فبعد بيان مسألة وجوب حج بيت الله الحرام، يقول تعالى: « ... وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿البقرة:196﴾».

    -         وقد يصعّد في اللحن إلى درجة إعلان الحرب من الله والرسول كقوله تعالى: «يأَيّهَا الَّذِينَ ءَامَنوا اتَّقُوا اللّهَ وَ ذَرُوا مَا بَقِیَ مِن َ الرِّبواْ إِن کُنتُم مُؤمِنِين؛ فَإِن لَم تَفْعَلوا فَأذَنُوا بِحَرب مِن اللّهِ وَ رَسولِه...(بقره:278-279)».

    من فوائد هذا الأسلوب في البيان الكشف عن حكمة العمل ونتيجته وتشجيع المخاطب على أداء الواجب أو ترك الحرام، كما أن الأمر يساعد على ترتيب الأولويات عند حدوث تعارض بين أداء تكليفين.

    أنواع آيات الأحکام

    يمكن تقسيم آيات الأحكام إلى عدة أنواع:

    -         الآيات الدالة على الأحكام الشرعية على نحو الإستقلال مثل: «أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبٰا(بقره:275)» فالبيع حلال والربا حرام.

    بينما نجد دلالة بعض الآيات على نحو الإنضمام مثل آية: «وَ فِصٰالُهُ فِي عٰامَيْنِ(لقمان:14)» التي عَدّت فترة الرضاعة سنتين (24ماه)؛ و عند ضمّ آية «وَ حَمْلُهُ وَ فِصٰالُهُ ثَلٰاثُونَ شَهْراً (احقاف:15)» التي عَدّت فترة نمو الجنين في الرحم مع الرضاعة ثلاثين شهراً؛ نكتشف أن الحد الأدنى لفترة الحمل هو ستة أشهر.

    -         تستخدم بعض الآيات صيغة الإنشاء للدلالة على الحكم مثل: «أَقِيمُوا الصَّلٰاةَ (بقره:۴۳)»

    و بينما تستخدم آيات أخرى صيغة الإخبار «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ (مائده:۳)»

    -         بعض الآيات أمر إلهي مباشر «أَقِيمُوا الصَّلٰاةَ (بقره:۴۳)»

    و وبعضها غير مباشر مثل: « قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ... وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ... (نور:30-31)

    -         بعض الآيات تدل على أحكام تكليفية من قبيل وجوب الصوم أو حرمة أكل الميتة كما يستفاد من الآيتين «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيٰامُ(بقره:۱۸۳)» و آية «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ(مائده:۳)».

    كما تدل بعض الآيات على أحكام وضعية من قبيل بطلان صيام المريض أو المسافر « مَنْ كٰانَ مَرِيضاً أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ(بقره:۱۸۵)».

    كذلك لدينا آيات تدل على أحكام وقواعد فقهية كلية مثل قاعدة العسر والحرج المستفادة من الآية: «مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (الحج:۷۸)» و «يُرِيدُ اللّٰهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لٰا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ(البقرة:۱۸۵)».

    -         كذلك تُرشد بعض الآيات المؤمنين إلى الطريقة الصحيحة للتعاطي مع رسول الله صلى الله عليه وآله، مثل: «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَرْفَعُوا أَصْوٰاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ(حجرات:۲)».

    وبعضها يبيّن علاقات المؤمنين الإجتماعية وحدود التعايش السليم والأخوي في المجتمع الإسلامي.

    «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَ لٰا تَجَسَّسُوا وَ لٰا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً(حجرات:۱۲)» التي أوصت بالإبتعاد عن سوء الظن والتجسس على حياة الآخرين و نهت عن الغيبة.

    والحمد لله رب العالمين

    اللهم أرزقنا توفيق الطاعة ، وبعد المعصية وصدق النية ، وعرفان الحرمة ، وأكرمنا بالهدى والاستقامة ، وسدّد ألسنتنا بالصواب والحكمة ، واملأ قلوبنا بالعلم والمعرفة ، وطهّر بطوننا من الحرام والشبهة ، وتفضّل على علمائنا بالزهد والنصيحة ، وعلى المتعلمين بالجهد والرغبة ، وعلى المستمعين بالاتباع والموعظة.

    وصل اللهم على محمد وآله الطيبين الطاهرين

     

     

     

     



    [1] ادوار فقه، ج ۲، ص ۴


    تعليق



    عرض غير العامة
    تصویر امنیتی :