facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 196667
    تاريخ نشره : 11/28/2018 2:36:38 PM

    معرفة القرآن (9)

    معرفة القرآن (9)

    خطبة الجمعة لحجة الإسلام والمسلمين الدكتور الشيخ مفتح مدير وإمام المركز الإسلامي في هامبورغ

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين.

     عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهيه.

    الموضوع: معرفة القرآن (9)

    اَلْحَمْدُ لِلّهِ بِجَمِيعِ مَحَامِدِه کُلِّهَا عَلَی جَمِيعِ نِعَمِهِ کُلِّهَا... اَلْحَمْدُ لِلّهِ مالِکِ الْمُلْکِ مُجْرِی الْفُلْکِ مُسَخِّرِ الرِّياحِ فالِقِ الاْصْباحِ ديّانِ الدّينِ رَبِّ الْعَالَمينَ اَلْحَمْدُ لِلّهِ عَلی حِلْمِهِ بَعْدَ عِلمِهِ وَالْحَمْدُ لِلّهِ عَلی عَفْوِهِ بَعْدَ قُدْرَتِهِ وَالْحَمْدُ لِلّهِ عَلی طُولِ اَناتِهِ فی غَضَبِهِ وَهُوَ قادِرٌ عَلی ما يريدُ. ثم الصلاة و السلام علی محمد عبده و رسوله ارسله بالهدی و دين الحق ليظهره علی الدين کله و لو کره المشرکون. اوصيکم عباد الله و نفسی بتقوی الله و اتباع امره و نهيه، و اخوفکم من عقابه.

    ذكرنا سابقاً أن هناك ثلاث أسئلة أساسية شغلت بال الإنسان منذ اليوم الأول لحياته الفكرية: من أين بدأ الخلق؟ وإلى أين سينتهي؟ وما هو سببه و علّته؟

    أجبنا الأسبوع الماضي عن السؤال الثاني وذكرنا سبب خلق الإنسان بحسب القرآن الكريم وذكرنا أن تكامل الإنسان ووصوله إلى مقام العبودية هو الهدف والغاية من الخلق، وأن الغوص في بحر الرحمة الإلهية والسعادة الأبدية هي النتيجة. استكمالاً لهذا الجواب يطرح القرآن الكريم بعض المسائل لإكمال مسار تربية الإنسان وهدايته:

    1.      الأعمال الحسنة والقبيحة

    هناك أعمال بحسب القرآن والعقل حسنة وأخرى سيئة. سلوك الإنسان وتعاطيه مع الآخرين يكون أحياناً حسناً وأحياناً سيئاً. قد يُسأل عن معيار حسن الأعمال وقبحها وهذا من المواضيع الجدلية التي اختلف حولها المفكّرون. يقول البعض إن العمل الأخلاقي هو العمل الذي لا يعود نفعه على الشخص، فالأم التي ترمي بنفسها في قلب النار لإنقاذ طفلها من منزل يحترق لا يُعتبر عملها ذا قيمة أخلاقياً لأن إنقاذ طفلها يعود على نفسها بالنفع. بينما إذا قامت هذه الأم بإنقاذ طفل الجار فعندها تكون مضحية ويكون عملها ذا قيمة أخلاقية. وقد ذُكرت معايير أخرى للقيمة الأخلاقية.

    أما ما نستفيده من أحاديث المعصومين عليهم السلام فهي أن ضمير الإنسان يدرك الحسن والقبيح من الأعمال، ولا نحتاج إلى مراجعة المصادر الدينية لنعرف الحسن من القبيح، فعن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: يَا شُقْرَانُ إِنَّ الْحَسَنَ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ حَسَنٌ وَ إِنَّهُ مِنْكَ أَحْسَنُ لِمَكَانِكَ مِنَّا؛ وَ إِنَّ الْقَبِيحَ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ قَبِيحٌ وَ إِنَّهُ مِنْكَ‏ أَقْبَحُ[1]‏.

    يستفاد من هذا الكلام أن حسن العمل وقبحه لا يعتمد على عقائد الشخص بل يحكم للضمير الإنساني. لكن بالطبع الأجر الأخروي والإلهي يعتمد على التقوى، حيث يقول الله تعالى: «إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (المائدة:27)»

    الرؤية القرآنية تقول لنا إن العمل الحسن والقبيح يعود نفعه أو ضرره بالدرجة الأولى على فاعله. عندما يؤذي شخصٌ الآخرين، فهو أول المتضرّرين، وهذا ما يصرّح به القرآن الكريم في قوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ (فصلت:46) ويقول تعالى في سورة أخرى: مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيهَا ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (الجاثية:15)

    2.      قصص الأنبياء الإلهيين والأقوام السابقين

    من المواضيع الأخرى التي تعرض لها القرآن الكريم قصص الأقوام السابقين وأنبيائهم حيث نجد أسماء سبعة وعشرين نبياً مع الحديث عن نبذة من حياتهم وسيرة أقوامهم. ليس القرآن كتاب قصة، وعندما تَرِد فيه قصة فهذا من أجل بيان المصير السعيد أو الشقي لأعمال الناس، فإما أن تنزل عليهم الرحمة والنعم وإما أن ينالهم العذاب، فذكر هذه القصص إذن هدفه تكامل الإنسان وهدايته وإيصاله إلى السعادة.

    -        ورد في القرآن مئتان وثماني نص قصصيّ، وقد استخدم فن القصة لإيصال الأفكار في نصف سور القرآن.

    -        تشكل قصص النبي موسى وقوم بني إسرائيل وآل فرعون القسم الأكبر من هذه القصص، يتلوها قصص النبي إبراهيم والنبي عيسى وأمه عليهم السلام.

    -        لا توجد في القرآن أي قصة خيالية ولا أي شخصية غير حقيقية. كل القصص حقيقية وأحداثها واقعية.

    -        تبدأ بعض القصص بسؤال العارف: هل أتاك حديث ... كذا؟ وهو من أساليب القصة في جذب المستمع.

    -        الهدف من نقل القصص وأحاديث الأقوام السابقين هو الإرشاد إلى طريق حياة الفلاح والسعادة الأخروية وليس مجرّد التسلية ولهذا نجد القرآن يعبّر مباشرة عن الرؤية الإلهية عندما يكون هناك ما يخالفها في أي موضوع وعندما ينقل شيئاً عن أحد دون الإعتراض عليه فهذا يعني أن الكلام مقبول إلهياً.

    -        من الملفت أيضاً أن للمرأة حضورها البارز و دورها المصيري في غالبية القصص القرآنية، فهناك تعريف واضح بهن وتعبير عن شخصيتهن المستقلة. وقد استند القرآن الكريم إلى شخصيتين من النساء لتقديم نموذج الإنسان المؤمن، وشخصيتين لنموذج الإنسان الكافر، حيث قال تعالى:

    ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذينَ کَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَ امْرَأَتَ لُوطٍ کانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَ قيلَ ادْخُلاَ النَّارَ مَعَ الدَّاخِلينَ؛ وَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لي‏ عِنْدَکَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَ نَجِّني‏ مِنْ فِرْعَوْنَ وَ عَمَلِهِ وَ نَجِّني‏ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمينَ؛ وَ مَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتي‏ أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فيهِ مِنْ رُوحِنا وَ صَدَّقَتْ بِکَلِماتِ رَبِّها وَ کُتُبِهِ وَ کانَتْ مِنَ الْقانِتينَ (التحريم:10-12)

    وبهذا يكشف القرآن الكريم عن أهمية دور المرأة في سعادة المجتمع وتعاسته، فالمؤمنة تقود المجتمع للإيمان والكافرة تقوده للكفر.

     

     



    [1] ابن شهر آشوب؛ مناقب آل أبي طالب عليهم السلام ؛ ج‏4 ؛ ص236


    تعليق



    عرض غير العامة
    تصویر امنیتی :