facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 196666
    تاريخ نشره : 11/28/2018 11:59:00 AM

    معرفة القرآن (8)

    معرفة القرآن (8)

    خطبة الجمعة لحجة الإسلام والمسلمين الدكتور الشيخ مفتح مدير وإمام المركز الإسلامي في هامبورغ

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين.

     عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهيه.

    الموضوع: معرفة القرآن (8)

    اَلْحَمْدُ لِلّهِ بِجَمِيعِ مَحَامِدِه کُلِّهَا عَلَی جَمِيعِ نِعَمِهِ کُلِّهَا... اَلْحَمْدُ لِلّهِ مالِکِ الْمُلْکِ مُجْرِی الْفُلْکِ مُسَخِّرِ الرِّياحِ فالِقِ الاْصْباحِ ديّانِ الدّينِ رَبِّ الْعَالَمينَ اَلْحَمْدُ لِلّهِ عَلی حِلْمِهِ بَعْدَ عِلمِهِ وَالْحَمْدُ لِلّهِ عَلی عَفْوِهِ بَعْدَ قُدْرَتِهِ وَالْحَمْدُ لِلّهِ عَلی طُولِ اَناتِهِ فی غَضَبِهِ وَهُوَ قادِرٌ عَلی ما يريدُ.

    ثم الصلاه و السلام علی محمد عبده و رسوله ارسله بالهدی و دين الحق ليظهره علی الدين کله و لو کره المشرکون.اوصيکم عبادالله و نفسی بتقوی الله و اتباع امره و نهيه، و اخوفکم من عقابه.

    سبق أن طرحنا ثلاث أسئلة مصيرية، شغلت بال الإنسان منذ فجر تاريخ الفكر، وهي: من أين بدأ خلق الإنسان؟ إلى أين سينتهي؟ وما هو سبب وجوده؟

    هدف خلق الإنسان

    السؤال الثاني الذي يطرحه كل إنسان مفكّر على نفسه هو: ما الحكمة من خلقنا؟ ما هو الهدف من خلق الإنسان والمجيء به إلى هذا العالم؟ يجيب القرآن الكريم عن هذا السؤال في قوله تعالى:

    -        وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ؛ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْق وَ ما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ؛ إِنَّ اللّهَ هُوَ الرَّزّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (الذاريات:56 -58)

    هذه الآية على صغرها تكشف الحقيقة أمام طلّابها، وتعرّفنا على الهدف الأكبر لخلق الإنسان. فهل كان هناك حاجة لسدّ فراغٍ ما؟ سنبدأ بطرح مقدّمتين لنصل إلى نتيجة:

    1.     لا شك أن كل عاقل وحكيم لا يُقدم على عمل دون تحديد الهدف، والله عز وجل أعلم العلماء وأحكم الحكماء لا يقاس به أحد، فلا شك في أن هذا العمل كان لهدف.

    2.      نحن نعلم أن الله وجوده كامل من كل الجهات ولا توجد عنده حاجة، وهو غنيّ بالذات.                                               

    ونستنتج من هذا بدايةً أن الخلق كان لهدفٍ محدد وأن الله لا يريد الإنتفاع بخلق الإنسان.فلا بد إذن أن نبحث عن هذا الهدف خارج ذات الله تعالى، هدف يوجد فيه مصلحة للمخلوقين، فيه فرصة لتحقيق الكمال. وقد جاءت تعابير متنوعة في الآيات القرآنية عن هدف الخلقة:

    أ .        الَّذِی خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَياةَ ليَبْلُوَکُمْ أَيُّکُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً(ملک:2) 

    فـ"حسن العمل" هو الهدف المطلوب من الإمتحان.

    ب .  اللّهُ الَّذِی خَلَقَ سَبْعَ سَماوات وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ عَلى کُلِّ شَیْء قَدِيرٌ وَ أَنَّ اللّهَ قَدْ أَحاطَ بِکُلِّ شَیْء عِلْماً (طلاق:12)

    تذكر الآية أن الهدف من خلق السماوات والأرض هو التعرّف على قدرة الله وعلمه.

    ت .  وَ لَوْ شاءَ رَبُّکَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَ لايَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ؛ إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّکَ وَ لِذلِکَ خَلَقَهُمْ (هود:118-119)

    وهذه الآية تشير إلى أن الرحمة الإلهية هي الهدف. لكن الآية الأولى تشير بوضوح إلى أن الهدف النهائي من خلق الإنس والجن هو العبودية لله، والتأمل في الآيات بشكل عام يُظهر أن لا تضاد بينها أو اختلاف، بل البعض منها يعبّر عن أهداف تمهيدية أو متوسطة والبعض يعبّر عن الهدف النهائي.

    فالهدف النهائي إذن هو العبودية، أما مسألة العلم والإمتحان فهي أهداف تقع على طريق العبودية التي توصل في النتيجة إلى الرحمة الإلهية الواسعة.

    ما هي حقيقة العبادة؟

    لا أحد ينكر فضل العبادات الواجبة، لكن ما حقيقة العبادة التي جُعلت هدفاً لخلق الإنسان؟ هل هي مجرد الركوع والسجود والصوم والصلاة؟ لكي نعثر على الجواب نحن بحاجة إلى التدقيق في كلمة عبد وعبودية. العبد بحسب اللغة العربية هو الشخص الذي يكون بكل وجوده متعلّقاً بسيّده، وتكون إرادته تابعة له. لا يملك شيئاً ولا يتوانى في تقديم الطاعة.

    وبعبارة أخرى، العبودية هي التعبير عن أعلى درجات الخضوع أمام المعبود، والمعبود هو الذي يبلغ غاية الإنعام والإكرام، وهذا لا ينطبق إلا على الله تعالى. فالعبودية إذن منتهى تكامل الإنسان وقربه إلى الله، وتعبّر عن التسليم لإرادته دون قيد أو شرط و في جميع المجالات، وفي نهاية المطاف، العبودية الكاملة هي حصر التفكير بالكمال المطلق واختيار سبيله فقط وترك ما سواه حتى النفس!

    فهذا هو الهدف النهائي لخلق البشر، وقد خلق الله ساحة امتحان وعلم ومعرفة للوصول إليه، وللحصول على النتيجة الكبرى و هي الغوص في بحر الرحمة الإلهية. جملة «ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْق وَ ما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ» هي في الواقع إشارة إلى غنى الله تعالى، وعندما يدعو الله إلى العبودية له فهو لا يكسب شيئاً، إنما يدعو الناس لينالوا من عطائه، بخلاف العبودية بين البشر، التي يطلبونها من أجل الحصول على يد عاملة تؤمّن لهم المردود المالي، أو خدمتهم في منزل، وهذا يعبّر عن احتياج الإنسان، ولكن لا معنى لذلك عند الله فهو عز وجل ليس لديه نقص في أي شيء، بل هو الغني والمعطي والكريم بالنعم والرزق على الجميع.

    سؤال: لماذا ذُكر الجن مقدّما على البشر في الآية؟

    الجواب: على الرغم من أن خلقة الإنسان أعلى درجة من الجن، إلا أن ذكرهم في الآية مقدّم بسبب خلقهم قبل الإنسان على ما يبدو: وَ الْجانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نْارِ السَّمُومِ (حجر:27)

    سؤال: إذا كان الهدف هو الجود والعطاء للعباد، وليس الهدف مصلحة للخالق، وإذا كان سلوك طريق التكامل واجباً على الإنسان، لماذا لم يخلق الله الجواد الكريم العباد كاملين منذ البداية لكي يسكنوا في جواره وينالوا من بركاته؟  الجواب: لا يمكن أن يكون التكامل بالإجبار، بل هو طريق طويل بحاجة لأن يسلكه الإنسان بإرداته وقراره. إذا جاء شخص حاملاً سلاحاً وأجبر شخصاً غنياً على التبرّع بالمال من أجل بناء مستشفى فهل سيكون لهذا العمل نتيجة أخلاقية وتكاملية للروح؟ بالطبع لا، لكن إذا قدّم هذا الشخص مالاً قليلاً جداً من أجل هذا الهدف المقدّس فهذا سيقدّمه خطوة إلى الأمام على طريق الكمال الأخلاقي، وقد بيّن لنا الله تعالى طريق الكمال من خلال برامج تربوية أوصلها إلينا عبر الأنبياء والعقل، لكي نختار هذا الطريق بإرادتنا.

    يتبيّن معنا من خلال ما مرّ أن العبادة والعبودية لله تعني التحرّك في إطار الرضا الإلهي، وتسليم النفس والروح له والحب لله والتخلّق بأخلاق الله، والعبادة التي ذكرتها الآية كهدف للخلق تعني تكامل الإنسان.

    أجل، الإنسان الكامل هو العبد الحقيقي لله تعالى!


    تعليق



    عرض غير العامة
    تصویر امنیتی :