facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 195740
    تاريخ نشره : 10/12/2018 4:35:52 PM

    معرفة القرآن (3)

    خطبة الجمعة لحجة الإسلام والمسلمين الدكتور الشيخ مفتح مدير وإمام المركز الإسلامي في هامبورغ

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين.

     عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهيه.

    الموضوع: معرفة القرآن (3)

    الإعجاز

    يستخدم الأنبياء المعجزة كوسيلة لإثبات نبوّتهم وصدق مدّعاهم باتصالهم بالله تعالى، وأنهم يحملون رسالة من عالم الغيب. ولذا يجب أن تكون الآية التي يأتي بها النبي من عالم "ما وراء الطبيعة" وأن تكون عملاً يعجز عنه سائر البشر.

    لكن بالطبع لم يبدأ أي نبيّ دعوته بالمعجزة، لأن كلام الأنبياء حق ويتوافق مع الفطرة الصافية والعقل السليم، لكنهم كانوا يأتون بالمعجزة حين يستدعي الرد على شبهات المنكرين ذلك. يقول القرآن الكريم واصفاً رسالة الأنبياء:

    -        «لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِ (اعراف: 43)

    -        «يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ (يونس: 108)

    ويذكر القرآن لنا أصحاب العقول الراجحة والمفكّرة الذين كانوا يلبّون دعوة الحق مباشرة، بينما كان أولئك الذين يشعرون أن الحق يهدّد مصالحهم يواجهون الدعوة بالرفض وإن اعترفت قلوبهم بالحق.

    -        وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا (نمل: 14)

    عندما بُعث النبي موسى عليه السلام، كان العصر عصرَ السحر، وكان للسحرة منزلة إجتماعية مميّزة، ولذا كان  لا بد للنبي موسى عليه السلام من المجيء بمعجزة يفهمها المجتمع ويكتشف من خلالها أنه حقاً مرسلٌ من الله. يقول القرآن الكريم:

    -        فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ؛ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (اعراف:107-108)

    فإذن قدّم موسى معجزته عندما أنكر آل فرعون أنه مرسلٌ، كدليل وعلامة على صدق مدّعاه. قال الله تعالى لموسى وهارون: «فَأْتِيا فِرْعَوْنَ‏ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ». وبعد قليلٍ من التحاور مع موسى، غضب فرعون، وهدّده بقوة رغم افتقاره للدليل: «لئن اتّخذت إلها غيري لأجعلنّك من المسجونين». فقال له موسى بلحن هادئ: «أولو جئتك بشي‏ء مبين». فقال فرعون: «فأت به إن كنت من الصّادقين».

    عندها كشف النبي موسى عليه السلام عن معجزة العصا واليد البيضاء، وعندما وضع فرعون النبي موسى في مواجهة مع السحرة، اكتشف هؤلاء بسرعة قبل غيرهم حقانية نبوة موسى و ارتباطه بالله عز وجل، لأنهم يعرفون أن ما فعله موسى لا يمكن أن يأتي به بشر وليس مجرد سحر.

    وفي زمن النبي عيسى عليه السلام ازدهر الطب والعلاج، وكان للأطباء في المجتمع مكانة خاصة، ولهذا كانت معجزته عليه السلام في هذا المضمار، وقد ساعد هذا الأمر الناس على إدراك مدى تفوّق ما أتى به النبي على القدرات البشريّة، والقرآن الكريم يقول:

    -        إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ ... وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي (المائدة: 110)

    وازدهر في عصر النبي الأكرم صلى الله عليه وآله الأدب والشعر، وكان للأدباء والشعراء مكانتهم الخاصة في المجتمع، وجاء القرآن كمعجزة تتناسب مع هذا العصر، وكان أسلوب القرآن هو الأجمل والأبلغ والأقوى، وهذا ما جعل العرب في ذلك الزمان يدركون أن القرآن ليس كلام البشر، وقد تحدّى القرآن المشكّكين بحقانية دعوة الرسول وصدقه:

    -        وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى‏ عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ (البقرة: 23)

    -        أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ. فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (طور:33-34)

    كانت كتب الأديان السماوية السابقة من حيث المعنى إلهية لكن اللفظ والتعبير كانا مفوّضين إلى الأنبياء أنفسهم، بخلاف القرآن الذي كان معناه وألفاظه إلهيين، ولم يكن للنبي أي دور في صياغة عباراته، ولذلك يدعو القرآن كل البشر والجن إلى الإتحاد وتحدّي القرآن:

    -        قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (الإسراء: 88)

    كان عتبة بن ربيعة جالساً في نادي قريش، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده فقال: يا معشر قريش ، ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء، ويكف عنا؟ فقالوا: بلى يا أبا الوليد، قم إليه فكلمه فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله، فقال : يا ابن أخي (كان العرب يخاطبون أبناء القبائل الأخرى من العرب بهذا الخطاب)، إنك منا حيث قد علمت من السِّطةِ في العشيرة، والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها. قال: فقال له رسول الله: قل يا أبا الوليد ، أسمع؛ قال : يا ابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا، حتى لا نقطع أمرا دونك، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا؛ وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه أو كما قال له .حتى إذا فرغ عتبة ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه ، قال : أقد فرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم، قال: فاسمع مني؛ قال: أفعل؛ فقال بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه... ثم مضى رسول الله فيها يقرؤها عليه. فلما سمعها منه عتبة، أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما يسمع منه؛ ثم انتهى رسول الله إلى السجدة منها، فسجد ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك. فقام عتبة بعد أن خرج من حالة الإنجذاب الروحي وذهب إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني قد سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم.»[1].

     



    [1] سيره ابن هشام، ج 1، ص 314- 313.


    تعليق



    عرض غير العامة
    تصویر امنیتی :