facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 195669
    تاريخ نشره : 10/9/2018 2:17:36 PM

    معرفة القرآن (2)

    معرفة القرآن (2)

    خطبة الجمعة لحجة الإسلام والمسلمين الدكتور الشيخ مفتح مدير وإمام المركز الإسلامي في هامبورغ

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين.

     عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهيه.

    الموضوع: معرفة القرآن (2)

    اَلْحَمْدُ لِلّهِ بِجَمِيعِ مَحَامِدِه کُلِّهَا عَلَی جَمِيعِ نِعَمِهِ کُلِّهَا... الْحَمْدُ لِلَّهِ قَاصِمِ الْجَبَّارِينَ مُبِيرِ الظَّالِمِينَ مُدْرِکِ الْهَارِبِينَ نَکَالِ الظَّالِمِينَ صَرِيخِ الْمُسْتَصْرِخِينَ مَوْضِعِ حَاجَاتِ الطَّالِبِينَ مُعْتَمَدِ الْمُؤْمِنِين الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِی مِنْ خَشْيتِهِ تَرْعَدُ السَّمَاءُ وَ سُکَّانُهَا وَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَ عُمَّارُهَا وَ تَمُوجُ الْبِحَارُ وَ مَنْ يسْبَحُ فِی غَمَرَاتِهَا

    ثم الصلاه و السلام علی محمد عبده و رسوله ارسله بالهدی و دين الحق ليظهره علی الدين کله و لو کره المشرکون

    اوصيکم عباد الله و نفسی بتقوی الله و اتباع امره و نهيه، و اخوفکم من عقابه

    كيفية نزول الوحي

    قلنا فيما سبق إن النبي كان يشعر بالثقل عند نزول الوحي المباشر عليه وكان الأمر يشتدّ إلى حد الشعور بارتفاع حرارة جسمه، بحيث كان العرق يتقاطر من جبينه الشريف، وإذا كان راكباً جملاً أو فرساً كان ظهر الدابة ينحني وتقترب من الأرض. يقول علي عليه السلام متحدثاً عن سورة المائدة: «لقد نزلت عليه وهو على بغلة الشهباء وثقل عليه الوحي حتى وقفت و تدلّى بطنها حتي رأيت سرّتها تكاد تمسّ الأرض وأغمي على رسول الله حتى وضع يده على ذؤابة شيبة بن وهب (على رأس أحد الصحابة)...»[1]. ويقول عبادة بن الصامت: «كان إذا نزل الوحي كرب له وتربّد وجهه»[2].

    قصة ورقة بن نوفل

    كان ورقة بن نوفل أحد أبناء عم خديجة وكان لديه القليل من العلم وكان ذو اطلاعٍ على تاريخ الأنبياء، ويقال إنه هو الذي طمأن النبي صلى الله عليه وآله من القلق الذي شعر بها في بداية البعثة، فقد روى البخاري، ومسلم، وابن هشام و الطبري أن الرسول كان في غار حراء في خلوة مع الله عز وجل، فجاءه نداءٌ مفاجئ يدعوه، فرفع رأسه ليعرف من المنادي فرأى موجوداً عظيما، وكان يراه حيثما ولّى وجهه وكأن وجهه المخيف ملأ السماء، فأغشي عليه مدة من الزمن لشدة الخوف والدهشة، وعندما قلقت السيدة خديجة من تأخره أرسلت من يبحث عنه فلم يعثر عليه. وعندما أفاق الرسول صلى الله عليه وآله عاد إلى المنزل خائفاً مدهوشاً وقال إنه نزل به ما كان يخشاه، فقالت له السيدة خديجة إن هذا بشارة بمستقبل مشرق... ومن أجل تخفيف قلق النبي، جاءت به إلى ورقة بن نوفل وقصّت عليه ما جرى، فسأل ورقة النبي صلى الله عليه وآله بضعة أسئلة، ثم قال له لا تقلق، هذا ملكٌ مرسل من الله نزل على موسى الكليم والآن نزل عليه وبشره بالنبوة. عندها شعر النبي بالطمأنينة، وقال إنه عرف الآن أنه نبي.

    هذه قصة من القصص الكاذبة التي حاكها الحاقدون في القرن الأول من الإسلام، حيث كان هؤلاء الذين يدّعون الإسلام يقدّمون هذا النوع من القصص الخيالية ليسلّوا بها الناس ويتلاعبوا بعقائدهم ويضربوا أصل الإسلام.

    كيف يمكن لنبي طوى مراحل الكمال وشعر ببشارة النبوة منذ زمن بعيد أن لا تتكشّف أمامه هذه الحقائق مع أنه صاحب أكمل عقل؟ «إنّ اللّه وجد قلب محمد صلّى اللّه عليه و آله أفضل القلوب و أوعاها، فاختاره لنبوّته». كيف يمكن للإنسان الكامل أن يشعر بالقلق والشك بنفسه في تلك اللحظات الحساسة ثم يرتفع عنه الشك ويطمئن إلى نبوته بفضل تجربة امرأة والاستفسار من رجل عنده القليل من العلم؟!

    يضاف إلى الإشكال السابق عدة إشكالات على هذه القصة:

    1. لا يتصل سند هذه الرواية بمن رواها عن مشاهدة وبالتالي تعتبر رواية مرسلة.

    2. يدل الإختلاف الذي وقع في نقل القصة على أنها مختلقة، ففي أحد النقول يقال إن خديجة ذهبت لوحدها إلى ورقة بن نوفل، وفي رواية أخرى أخذت النبي معها، وفي رواية ثالثة إن النبي جاء ورقة بن نوفل أثناء طوافه بالكعبة، وفي رواية أخرى أن أبي بكر جاء خديجة وقال لها أن تأخذه إلى ورقة بن نوفل. يحتار القارى أي هذه الروايات يصدق سيما أنه لا مجال للجمع بينها.

    3. تذكر الروايات بأغلبها أنّ ورقة بن نوفل بعد أن بشّر النبي بنبوّته قال له إنه سيؤمن به وينصره إذا أدرك زمن بعثته، في حين أن ورقة كان حياً زمن بعثة الرسول صلى الله عليه وآله ولكنّه لم يدخل في الإسلام أبداً.

    كتّاب الوحي

    لم يكن الرسول بحسب الظاهر يتقن القراءة والكتابة، وكان معروفاً بين قومه بالأميّة، وهذا ما وصفه القرآن به كذلك:

    -        الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ ...( الاعراف: 157)

    -        فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ ... (الاعراف: 158)

    -        هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ ...( الجمعة: 2)

    المقصود بالأمّي هو الشخص الذي يبقى كما ولدته أمه لا يتعلّم القراءة والكتابة، إلا أن عدم التعلّم على يد أستاذ لا يعني عدم الإتقان، ويكفي في المعجزة الإمتناع عن القراءة والكتابة لا العجز، يقول الله تعالى في كتابه الكريم:

     -        وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ {العنكبوت/48}

    تدل هذه الآية على أن النبي لم يقرأ ولم يكتب، ولا تدل على عجزه عن ذلك، وهذا كافٍ لإسكات المشكّكين، لأنهم لم يحتملوا أبداً أن يكون متعلّماً.

    إتقان القراءة والكتابة كمالٌ، والنبي حائز على جميع الكمالات بالعلم اللدنّي الإلهي، وهذا يعني أن النبي أيضاً يتقن القراءة، لكن عدم إظهار القراءة كان من أجل إتمام الحجة وقطع طريق الشك، كي لا يقول البعض إن النبي أخذ علمه من التوراة والإنجيل وإن كتابه ليس إلهياً، ولهذا كلّف النبي أفضل الكتّاب في مكة والمدينة بكتابة الوحي.

    أوّل من كُلّف في مكة بكتابة الوحي هو علي بن أبي طالب عليه السلام، وقد استمرّ بأداء هذه المهمة حتى وفاة النبي صلى الله عليه وآله، حيث كان الرسول يصرّ على أن يكتب عليّ ويضبط وما ينزل من وحي السماء لكي لا يغيب عنه شيء.

    عندما كان علي عليه السلام جالساً في مسجد الكوفة والناس حوله قال: سلوني قبل أن تفقدوني. سلوني عن كتاب الله، فوالله ما نزلت آية من كتاب الله إلا وقد أقرأنيها رسول الله وعلّمني تأويلها. فقال ابن الكواء: فما كان ينزل عليه وأنت غائب؟ فقال عليه السلام: بلى، يحفظ عليّ ما غبت عنه، فإذا قدمت عليه قال لي: "يا علي، أنزل الله بعدك كذا وكذا" فيقرأنيه، "وتأويله كذا وكذا" فيعلّمنيه[3].

    وأول من تولّى كتابة الوحي في المدينة أبيّ بن كعب الأنصاري الذي كان يتقن الكتابة في الجاهلية، وهو من الذين عرض النبي عليهم القرآن كاملاً. زيد بن ثابت كذلك كان من جيران الرسول صلى الله عليه وآله وكان يتقن الكتابة، وكانوا يطلبونه عندما يحتاج الرسول لكاتب ويكون أبيّ غائباً.

    وعليه يكون الكتّاب الأساسيّون للوحي هم علي بن أبي طالب وأبي بن كعب و زيد بن ثابت، وسائر الكتاب يأتون في درجة أدنى. كان الرسول يستعين أحياناً ببعض من يتقنون الكتابة عندما يضطر لذلك، لكن الكتاب الأساسيون هم الثلاثة الذين مرّ ذكرهم.

     وكانوا في زمن الرسول يكتبون على ما يتوفّر لديهم من وسائل مناسبة مثل:

    1. العُسُب: جمع عسيب،  جريدَةُ النَّخْلِ المستقيمةُ يُكْشَطُ خُوصُها ويكتب في المكان الواسع منها.

    2. اللِخاف: جمع لخفة، حجارة بيض عريضة رقاق.

    3. الرقاع: جمع رقعة، قطعةٌ من الورق أو الجلد يكتب فيها.

    4. الآُدُم: جمع اديم، جلد مدبوغ يستخدم للكتابة.

    بعد الكتابة، كانت الآيات تحفظ في بيت النبي صلى الله عليه وآله، وكانت توضع كل آية في السورة الخاصة بها وتبدأ كل سورة بالبسملة، وتكون بسملة السورة التالية دالة على اختتام السورة السابقة، ولكن السور لم تُرتّب على زمن الرسول صلى الله عليه وآله.

     

    والحمد لله رب العالمين

    اللهم أرزقنا توفيق الطاعة ، وبعد المعصية وصدق النية ، وعرفان الحرمة ، وأكرمنا بالهدى والاستقامة ، وسدّد ألسنتنا بالصواب والحكمة ، واملأ قلوبنا بالعلم والمعرفة ، وطهّر بطوننا من الحرام والشبهة ، وتفضّل على علمائنا بالزهد والنصيحة ، وعلى المتعلمين بالجهد والرغبة ، وعلى المستمعين بالاتباع والموعظة.

    وصل اللهم على محمد وآله الطيبين الطاهرين

     



    [1] تفسير عياشى؛ ج 1، ص 388.

    [2] طبقات ابن سعد؛ ج 1، ص 131.

    [3] سليم بن قيس هلالى؛ السقيفة؛ ص 214- 213.


    تعليق



    عرض غير العامة
    تصویر امنیتی :