facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 195178
    تاريخ نشره : 8/31/2018 1:21:58 PM

    آخر خطبة جمعة لآية الله الشيخ رمضاني مدير وإمام المركز الإسلامي في هامبورغ

    آخر خطبة جمعة لآية الله الشيخ رمضاني مدير وإمام المركز الإسلامي في هامبورغ

    آخر خطبة جمعة لآية الله الشيخ رمضاني مدير وإمام المركز الإسلامي في هامبورغ

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين.

     عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهيه.

    الموضوع: الموضوع: دروس من القرآن الكريم 26: تحمّل المسؤولية 3

    يتحمّل كل إنسان مسؤولية على قدره، باعتباره كائناً مختاراً حرّاً بإمكانه طي مراحل الكمال الإنساني باختياره، وهذا يعني أن عليه تحمّل عواقب كل قرار يتخذه وهو يحتاج بالتالي إلى دراسة قراراته، كما يقول الله تعالى في الآية 36 من سورة الإسراء: « وَلاتَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا».

    من مسؤولية الإنسان على الصعيدين الفردي والإجتماعي السعي لحفظ نفسه ومجتمعه من الفساد، ما يفتح أمام الإنسان أفقاً واسعاً ويصيغ منه شخصية فذّةً، ويقود المجتمع إلى طريق العدالة والعقلانية والروحانية، وهذا ما يصفه الله عز وجل بالحياة الطيبة في الآية 97 من سورة النحل حيث يقول تعالى: «مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَکَرٍ أَو أُنثیٰ وَهُوَ مُؤمِنٌ فَلَنُحيِينَّهُ حَياةً طَيِبَةً» وفي آية أخرى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ»[1].

    هناك الكثير من الآيات طبعاً التي تذكر الإنسان بمسؤولياته مثل الآيات 63 إلى آخر سورة الفرقان وغيرها من السور التي تحدد الخيارات الصحيحة للإنسان. وهذا ما يجعل التعاليم الدينية معيار تقسيم الناس إلى مؤمن وكافر وفق خصائصهم وكل شخص يحاسب وفق عقيدته وعمله ولا يستوي المؤمن والمنافق والمشرك.

    يقدم الإنسان على خياراته وفق سلسلة من العقائد الحقة أو الباطلة، وهذا ما يؤثر بشكل مباشر على وزن أعماله، التي إن ثقلت و علا قدرها قادت الإنسان إلى الجنة وإن خفّت وتدنّت قيمتها قادت إلى النار، كما قال تعالى في كتابه: « فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِی عِيشَةٍ رَاضِيةٍ ؛ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيةٌ؛ وَمَا أَدْرَاکَ مَا هِيهْ نَارٌ حَامِيَةٌ»[2]

    تحمّل الأنبياء عليهم السلام المسؤولية الأكبر في هداية الناس، فهُم الذين اختارهم الله وجعلهم الواسطة بينه و بين خلقه. كان دورهم تلاوة الآيات الإلهية على الناس وتعليمهم الكتاب والحكمة وتزكيتهم: «هُوَ الَّذي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَکِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْکِتابَ وَ الْحِکْمَةَ وَ إِنْ کانُوا مِنْ قَبْلُ لَفي‏ ضَلالٍ مُبينٍ»

    طبعاً من الواضح أن هؤلاء شخصيات عظيمة امتلأت صدورهم بالحقائق الإلهية، فهم وسائط الفيض الإلهي، وهم الذين هدى الله، وأعطاهم راية هداية العباد، وقد أوكلت مهمة الهداية بعد الأنبياء إلى الأولياء والأوصياء وبعدهم إلى علماء الدين.

     هؤلاء أدركوا تعاليم الدين وقانون حياة الإنسان بدقة وبنظرة جامعة، وهم ينقلون هذه التفقه والفهم العميق إلى الناس لكي يساعدوا العقول والفطرة على التفتّح على أكمل وجه دون أي إفراط أو تفريط، ولعل هذا ما تشير إليه الآية الكريمة 143 من سورة البقرة: «وَ كَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا»، وهذا ما أشار إليه العلامة الطباطبائي من أن العلماء هم القدوة للناس من خلال دورهم وعملهم برسالتهم الإلهية. فإذن هناك دور كبير للعلماء في نظام الهداية، وعليهم أن لا يتعلقوا بالدنيا وأن يحافظوا على عمقهم العلمي والعملي لكي يرسموا معالم الطريق الإلهية أمام البشر، ولهذا جاء في الرواية: «انّ العلماء ورثة الأنبياء».

    وعليه، لا قيمة لإنسان تلوثت روحه وانشغل بحمل كمية من الألفاظ، وهذا ما تشير إليه الآية 5 من سورة الجمعة والتي تشمل علماء الدين من أي دين كانوا: «مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ».

    طرح القرآن والروايات معرفة المسؤولية وأداء التكليف وفقاً لها كمواضيع مهمة تخص العلماء، الذين إذا ما سلكوا طريقاً مخالفاً للهداية سيسهّلون الفساد: كما جاء في روايات أخرى من أن خطأ العالم يؤدي إلى غرقه و غرق الآخرين، «اذا فَسَدَ العَالِم فَسَدَ العَالَم».

     في ختام هذه الخطبة أرى مناسباً أن أدلي ببعض الأمور، ففي السنوات العشر التي كنت حاضراً فيها في مسجد الإمام علي ذو تاريخ الستين عاماً، سعيت إلى تعريف الإسلام بنظرة عقلائية معنوية تتمحور حول القرآن وتفسير أهل البيت عليهم السلام، كما فعلت في فيينا مدة ثلاث سنوات، فهذا الإسلام ليس دين الحرب والعنف بل دين هداية الإنسان من أجل الوصول إلى سعادة الدنيا والآخرة.

    تعاليم الإسلام تدعو إلى السلام والتناغم مع الله والنفس والآخرين، بينما تسعى قوانينه لإرساء دعائم الحرية والعدالة والأمن والروحانية في المجتمع ليتعرف البشر على كرامتهم الحقيقية. يدعو الإسلام الإنسان إلى الإبتعاد عن جميع أشكال الإفراط والتفريط والإقتراب من مكارم الأخلاق ومحاسنها، والإقتراب من الصفات الإلهية من قبيل العلم والحكمة والقدرة والمحبة.

    لكن لا أعرف بالطبع إلى أي مدى نجحت في أداء هذه الرسالة المهمة والله العالم. ختام الكلام أطلب كأحد أقل طلاب العلوم الدينية أن يصفح الله تعالى عن كل ما قصّرت فيه وأرجو أن تدعوا للجميع بالهداية لا سيما لهذا المسكين إن شاءالله.

     والحمد لله رب العالمين

    اللهم أرزقنا توفيق الطاعة ، وبعد المعصية وصدق النية ، وعرفان الحرمة ، وأكرمنا بالهدى والاستقامة ، وسدّد ألسنتنا بالصواب والحكمة ، واملأ قلوبنا بالعلم والمعرفة ، وطهّر بطوننا من الحرام والشبهة ، وتفضّل على علمائنا بالزهد والنصيحة ، وعلى المتعلمين بالجهد والرغبة ، وعلى المستمعين بالاتباع والموعظة.

    وصل اللهم على محمد وآله الطيبين الطاهرين



    [1] . آل عمران آیه 200.

    [2] . سوره قارعه آیات 6 تا 11.


    تعليق



    عرض غير العامة
    تصویر امنیتی :