facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 193473
    تاريخ نشره : 4/28/2018 7:34:48 PM

    دروس من القرآن الكريم 15 (الشكر 3)

    خطبة الجمعة لآية الله الشيخ رمضاني مدير وإمام المركز الإسلامي في هامبورغ

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين.

     عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهيه.

    الموضوع: دروس من القرآن الكريم 15 (الشکر 3)

    الشكر من جنود العقل وكفران النعمة من جنود الجهل، لذلك يكفي أن يسلم عقل الإنسان وفطرته من الغشاوة  ليكون شاكراً؛ وقد سعى الأنبياء والأولياء والمرشدون الحقيقيون إلى كشف هذه الغشاوة لكي يعي الناس قيمة هذه النعم ويؤدوا حق شكرها حيث ترشدنا تعاليمنا الدينية إلى أن الشكر الحقيقي هو الإستخدام الصحيح للنعمة.

    لا شكّ أن شكر كل النعمة أمرٌ مستحيل، والله عز وجل يقول: « إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَ لکِنَّ أَکْثَرَ النَّاسِ لا يَشْکُرُونَ»[1] وفي آية أخرى «‏لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَکَ الْمُسْتَقيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْديهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ وَ عَنْ أَيْمانِهِمْ وَ عَنْ شَمائِلِهِمْ وَ لا تَجِدُ أَکْثَرَهُمْ شاکِرينَ»[2]

    يستفاد من هذه الآيات الشريفة أن غالبية الناس لا يشكرون النعم الإلهية حق شكرها، وهناك آية تشير إلى أن عدد الشاكرين قليل جداً حيث قال تعالى: «وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ»[3] وعلى الرغم من أن وجوب شكر المنعم من الأمور الفطرية إلا أن الكثيرين لا يلتزمون عملياً بهذا الأمر، ولا يتصرّفون بطريقة عقلائية رغم امتلاكهم للعقل، وهذا ما سيسألون عنه يوم القيامة فيأتي جوابهم كما قال الله تعالى: «لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ»[4]

     هذه الآية بحسب الكبار من المفسّرين تعني أنهم يقولون يوم القيامة لو كنا نصغي إلى كلام الأنبياء أو كنّا من أصحاب التفكّر لما كنّا من أصحاب النار.

    من الواضح أنه عندما يتصرّف الإنسان على أساس العقل فسيدعوه هذا إلى الإيمان وسيؤدي به إلى سلوك طريق الوحي والدين، وسيدرك حينها أن طريق السعادة هو الطريق الذي رسمه لنا أنبياء الله، وقد كشفت بعض الآيات الستار عن هذه الحقيقة فقالت لنا إن الكثير من الناس يعيشون في حالة من الجهل والضياع ولا يتخذون الخيارات المناسبة في حياتهم، حيث قال تعالى: «وَ لکِنَّ أَکْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ»[5] وقال عز وجل: «ذٰلِكَ الدّينُ القَيِّمُ وَ لٰكِنَّ أَكثَرَ النّاسِ لايَعلَمونَ »[6] فمن الواضح أن جهل الإنسان يمنعه من قبول الحق ويجعله كارهاً له كما قالى تعالى: «لَقَدْ جَئْنَاکُم بِالْحَقِ ّ وَلَکِنَّ أَکْثَرَکُمْ لِلْحَقِّ کَارِهُونَ»[7] ومن يفتقر إلى العلم المطلوب سيقصّر في الشكر ولن يصل إلى الإيمان المطلوب وإن كان الإيمان بالله كخالق للعالم أمرٌ بديهي «لَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ»[8].

    نعيش اليوم للأسف في عالم ابتلي فيه الكثيرون بهذه المشكلة، فتراهم ينكرون حقائق هذا العالم وينكرون النعم، فإذا فرضنا أن عدد سكان العالم اليوم يصل إلى ثمانية مليارات، فنصفهم لا يؤمن بالله ولا بالمعاد، والكثيرون مؤمنون لكنّهم غير ملتزمين على أرض الواقع، وقد ذكرت الآيات القرآنية هذه المسألة في موارد متعددة: «اکثرهم الکافرون، اکثرهم لا يؤمنون، اکثرهم لا يعقلون، اکثرهم لا يعملون و اکثرهم يجهلون».

     عندما نريد تحديد صحة طريق من سقمه علينا مراجعة معيار الحق وهو ارتباطه بالله تعالى، فإذا وجدنا نهجاً ما مخالفاً للقرآن فهذا يعني بطلانه ولو سارت عليه الغالبية العظمى، فلا بدّ إذن من معرفة معيار الحق لتحديد النهج الصحيح والسير فيه، وقد وضع الله بين أيدينا الوحي والعقل والفطرة لتُعيننا على تحديد هذا النهج.

    يتبيّن من خلال ما مَرّ أن سبب كفران الكثيرين للنعم وإنكارهم للجميل، هو عدم استماعهم للحق وابتعادهم عن التفكّر فيه وعدم اتخاذ خطوات باتجاه الإيمان ولذلك لا يعرفون نعم الله تعالى، وهو ما يجعلهم غير شاكرين لأنعمه، وقد يبتلي بعض المؤمنين بهذه المشكلة على الصعيد العملي فيجعلوا لله شركاء، وهذا ما تشير إليه الآية «وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ»[9]. وبهذا يتضح لدينا سبب قلة العباد الشاكرين لله تعالى.

     

    والحمد لله رب العالمين

    اللهم أرزقنا توفيق الطاعة ، وبعد المعصية وصدق النية ، وعرفان الحرمة ، وأكرمنا بالهدى والاستقامة ، وسدّد ألسنتنا بالصواب والحكمة ، واملأ قلوبنا بالعلم والمعرفة ، وطهّر بطوننا من الحرام والشبهة ، وتفضّل على علمائنا بالزهد والنصيحة ، وعلى المتعلمين بالجهد والرغبة ، وعلى المستمعين بالاتباع والموعظة.

    وصل اللهم على محمد وآله الطيبين الطاهرين



    [1] . بقره، 243.

    [2] . اعراف، 17 ـ 16.

    [3] . سما، 13.

    [4] . ملک، 10.

    [5] . انعام، 111.

    [6] . روم، 30.

    [7] . زخرف، 78.

    [8] . رعد، 1.

    [9] . یوسف، 106.


    تعليق



    عرض غير العامة
    تصویر امنیتی :