facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 192369
    تاريخ نشره : 3/3/2018 3:12:00 PM

    دروس من القرآن الكريم 10 (التوکل 2)

    خطبة الجمعة لآية الله الشيخ رمضاني مدير وإمام المركز الإسلامي في هامبورغ

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا ونبيّنا محمّد صلّی الله عليه وعلی آله الطاهرين واصحابه المنتجبين.

    عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه

    الموضوع:دروس من القرآن الكريم 10 (التوکل 2)

    لا شك أن التوكّل ذو مراتب و درجات، يماثل في ذلك سائر الفضائل الأخلاقية، وهو تابع لإيمان الشخص قوة و ضعفاً، وهذا ما يشير إليه قول أمير المؤمنين عليه السلام: «التَّوكُّلُ مِن قُوَّةِ اليَقينِ‏».[1] وقوله عليه السلام: «أقوَى النّاسِ إيماناً أكثَرُهُم تَوَكُّلًا علَى اللَّهِ سبحانَهُ».[2]

    وروى الأصبغ ابن نباتة عن عليٍّ عليه السلام أنه كان يقول في سجوده: «أتَوَكَّلُ عَلَيكَ تَوَكُّلَ مَن يَعلَمُ أنَّكَ عَلى كُلِّ شَي‏ءٍ قَدير‏».[3] ويقول الإمام الرضا عليه السلام متحدثاً عن درجات التوكّل: «التَّوَكُّلُ دَرَجَاتٌ مِنْهَا أَنْ تَثِقَ بِهِ فِي أَمْرِكَ كُلِّهِ فِيمَا فَعَلَ بِكَ فَمَا فَعَلَ بِكَ كُنْتَ رَاضِياً وَ تَعْلَمَ أَنَّهُ لَمْ يَأْلُكَ خَيْراً وَ نَظَراً وَ تَعْلَمَ أَنَّ الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ لَه‏».[4]

    مراتب التوكّل عند علماء الأخلاق

    عدّ علماء الأخلاق للتوكّل ثلاثُ درجات على النحو التالي:

    أن يعتبر الإنسان المؤمن أن الله تعالى وكيله الشفيق والموثوق، لكن أن يرى لنفسه الإستقلالية في نفس الوقت. من الواضح أن هذه مرتبة متدنّية في التوكل.

    أن يرى الإنسان المؤمن نفسه مرتبطاً بالله تعالى كما الطفل بأمه! فالطفل لا يعرف أحداً سواها ولا يثق إلا بها، ولذلك يعتمد عليها، وعندما تحصل معه مشكلة يناديها فوراً، وهذه درجة أعلى بقليل من السابقة، لأن الإنسان ينادي ربه عند حصول مشكلة فقط.

    أما الدرجة العليا في التوكّل فهي التي لا يرى معها الإنسان لنفسه أي إرادة، بل يكون كالميت في يد الغسّال، يقلّبه الله كيف ما شاء، فعندها يطلب الإنسان ما يطلبه الله و يترك ما يرفضه.[5]

    التوكّل في سيرة الأنبياء

    تجلّى التوكّل في حياة الأنبياء بصورة خاصة، ومن أراد أن يرى التوكّل الحقيقي فعليه أن يدقق في آيات القرآن ومعانيه، ويمكن أن نشير إلى بعض أولياء الله في هذا المجال:

    النبي نوح عليه السلام المعروف بشيخ الأنبياء، دعا قومه إلى سواء السبيل والهداية لكنّهم بسبب عنادهم خالفوا دعوته لكن النبي توكّل على الله و واجههم وتصدّى لهم. سخر أعداء نوح عليه السلام منه عندما بدأ بصناعة السفينة وعرّضوه لأسوأ الظروف، لكن النبي نوح عليه السلام واجه كل هذه العداوة والدسائس واعتمد على ربّه حتى أركب المؤمنين السفينة و أنقذهم بعد سنوات مديدة من التعب والعذاب.

    أما أولئك الذين آذوه كل هذه المدة و عادوه فكان مصيرهم الهلاك كما قال تعالى مخاطباً نبيّه صلى الله عليه وآله: «وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامي‏ وَ تَذْكيري بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَ شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَ لا تُنْظِرُون».[6] 

    الخاتمة

    في هذه القصة عبرة مفادها أن من يخالف القوانين والسنن الإلهية لا شكّ سيرى نتيجة عمله. علينا أن نمضي بقوة في السبيل الذي اخترناه، شرط أن يكون منسجماً مع المسار التوحيدي والإيماني الذي يعدّ التوكّل من أبرز عناصره. وعلينا أن نعلم هنا أن لا مبدل للسنن الإلهية وأنها متى تهيّأت مقدّماتها فإن النتيجة ستكون حتميّة.

     

    والحمد لله رب العالمين

    اللهم أرزقنا توفيق الطاعة ، وبعد المعصية وصدق النية ، وعرفان الحرمة ، وأكرمنا بالهدى والاستقامة ، وسدّد ألسنتنا بالصواب والحكمة ، واملأ قلوبنا بالعلم والمعرفة ، وطهّر بطوننا من الحرام والشبهة ، وتفضّل على علمائنا بالزهد والنصيحة ، وعلى المتعلمين بالجهد والرغبة ، وعلى المستمعين بالاتباع والموعظة.

    وصل اللهم على محمد وآله الطيبين الطاهرين

     



    [1]. تميمى آمدى، عبد الواحد بن محمد، غرر الحكم، ص43، ح747، قم، دار الكتاب الإسلامي، چ دوم، 1410 ق.

    [2]. همان، ص202، ح328.

    [3]. ابن بابويه(شیخ صدوق)، محمد بن على، الأمالي، ص255، ح7، تهران، كتابچى، چ ششم، 1376ش.

    [4]. ابن شعبه حرانى، حسن بن على، تحف العقول، ص443، تهران، جامعه مدرسين، چ دوم، 1404ق.

    [5]. نراقى‏، ملا احمد، معراج السعادة، ص786، قم، هجرت، چ پنجم‏، 1377ش‏. (با تلخیص)

    [6]. یونس/71.


    تعليق



    عرض غير العامة
    تصویر امنیتی :