facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 192351
    تاريخ نشره : 3/2/2018 9:27:00 AM

    دروس من القرآن الكريم 8 (التواضع)

    خطبة الجمعة لآية الله الشيخ رمضاني مدير وإمام المركز الإسلامي في هامبورغ

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا ونبيّنا محمّد صلّی الله عليه وعلی آله الطاهرين واصحابه المنتجبين.

    عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه

    الموضوع: دروس من القرآن الكريم 8 (التواضع)

    يُعدّ "التواضع" أحد أهم الفضائل الأخلاقية التي تسمو بالإنسان عالياً على الصعيد المعنوي، وهي من الفضائل المحبّبة المضادة للتكبّر، كما قال علي عليه السلام: «ضَادُّوا الْكِبْرَ بِالتَّوَاضُع».[1] والتواضع هو الحد الفاصل بين التكبّر والذلّ، وهو سبب رفعة الإنسان وعلوّ شأنه كما قال فعن عليٍ عليه السلام كذلك: «بِالتَّوَاضُعِ تَكُونُ الرِّفْعَةُ».[2]

    التواضع و مصاديقه بحسب القرآن الكريم

    تعبّر هذه الصفة الحميدة عن سمو روح الإنسان، والله عز وجل يأمر نبيّه صلى الله عليه وآله بالتعاطي مع المؤمنين على أساس هذه الصفة حيث يقول عز وجل: «وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنينَ».[3] «وَ اخْفِضْ جَناحَكَ» كناية عن التواضع مع محبة كالطير الذي يضم فراخه تحت جناحه رأفةً بها ومنعاً لتفرّقها، وهذا من التعابير القرآنية اللطيفة.[4]

    يحدّثنا القرآن الكريم عن التواضع في مواضع أخرى كذلك: «وَ عِبادُ الرَّحْمنِ الَّذينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً»،[5] وفي آية أخرى: «وَ لا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَ لَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً».[6] «الَّذينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً» تعني أن «عباد الرحمن» متواضعون قد ابتعدوا عن جميع أشكال التكبّر والأنانية. صفة التواضع هذه التي جعلها الله على رأس فضائل عباد الرحمن هي صفة ظاهرة في جميع أعمالهم.

     كذلك جاء في آية أخرى قوله عز وجل: «يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرينَ»[7] في إشارة إلى مدى أهمية التواضع في تعاطي المؤمنين مع بعضهم البعض، والذل هنا بمعنى التسليم والليونة في التعامل مع الغير، وليس المعنى في الأساس سلبياً إلا في الحالات التي يفرض فيها بعض الأمور على الإنسان، فقد جاء في آية كريمة " وَ ذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْليلاً "[8].

    التواضع في الروايات

    هناك إشارات مهمة حول التواضع في الروايات الشريفة، فعن عليٍ عليه السلام أنه قال: «علَيكَ بِالتَّواضُعِ؛ فإنّهُ مِن أعظَمِ العِبادَة‏»،[9] وفي حديث عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: «ما لي لا أرى علَيكُم حَلاوَةَ العِبادَةِ؟! قالوا: وما حَلاوَةُ العِبادَةِ؟ قالَ: التَّواضُعُ».[10] وفي رواية عن الإمام الصادق عليه السلام: «التَّوَاضُعُ أَصْلُ كُلِّ شَرَفٍ نَفِيسٍ وَ مَرْتَبَةٍ رَفِيعَةٍ ... وَ مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ شَرَّفَهُ اللَّهُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ ... وَ لَيْسَ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عِبَادَةٌ يَرْضَاهَا وَ يَقْبَلُهَا إِلَّا وَ بَابُهَا التَّوَاضُع‏ وَ لَا يَعْرِفُ مَا فِي مَعْنَى حَقِيقَةِ التَّوَاضُعِ إِلَّا الْمُقَرَّبُونَ مِنْ عِبَادِهِ الْمُتَّصِلُونَ بِوَحْدَانِيَّتِهِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: "وَ عِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُون عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَ إِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً "‏».[11] كذلك في حديثٍ عن رسول الرحمة صلى الله عليه وآله قال: «يُباهِي اللَّهُ تَعالَى المَلائِكَةَ بِخَمسَةٍ: بِالمُجاهِدينَ، وَالفُقَراءِ، وَالَّذينَ يَتَواضَعونَ للَّهِ تَعالى‏، وَالغَنِيِّ الَّذي يُعطِي الفُقَراءَ كَثيراً ولا يَمُنُّ عَلَيهِم، و رَجُلٌ يَبكي في خَلوَةٍ مِن خَشيَةِ اللَّهِ عز و جل».[12]

    وقال الإمام الصادق عليه السلام: «فيما أوحَى اللَّهُ عَزَّوجلَّ إلى‏ داودَ(ع): يا داودُ، كما أنَّ أقرَبَ الناسِ مِن اللَّهِ المُتَواضِعُونَ كذلكَ أبعَدُ الناسِ مِن اللَّهِ المُتَكبِّرُون».[13]

    الخاتمة

    من المهم في ختام الكلام أن نلتفت لآداب التواضع ومقامه المناسب، فعلى سبيل المثال التواضع لله وأوامره وأنبيائه والأئمة المعصومين والعلماء والأساتذة والتلاميذ والفقراء من أحق ما يتواضع له الإنسان المؤمن.

    والحمد لله رب العالمين

    اللهم أرزقنا توفيق الطاعة ، وبعد المعصية وصدق النية ، وعرفان الحرمة ، وأكرمنا بالهدى والاستقامة ، وسدّد ألسنتنا بالصواب والحكمة ، واملأ قلوبنا بالعلم والمعرفة ، وطهّر بطوننا من الحرام والشبهة ، وتفضّل على علمائنا بالزهد والنصيحة ، وعلى المتعلمين بالجهد والرغبة ، وعلى المستمعين بالاتباع والموعظة.

    وصل اللهم على محمد وآله الطيبين الطاهرين

     



    [1]. تميمى آمدى، عبد الواحد بن محمد، غرر الحكم، ص820، ح135، قم، دار الكتاب الإسلامي، چ دوم، 1410ق.

    [2]. همان، ص296، ح2.

    [3]. الشعراء/215.

    [4]. «وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنين‏(الحجر/88)»، «وَ اخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَ قُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّياني‏ صَغيراً(الإسراء/24)».

    [5]. الفرقان/63.

    [6]. الإسراء/37.

    [7]. المائده/54.

    [8]. الإنسان/14.

    [9]. مجلسى، محمد باقر، بحار الأنوار، ج72، ص119، ح5، بیروت، دار إحياء التراث العربي، چ دوم، 1403ق.

    [10]. ورام بن أبي فراس، مسعود بن عيسى، تنبيه الخواطر، ج1، ص201، قم، مكتبه فقيه، چ اول، 1410ق.

    [11]. منسوب به جعفر بن محمد(ع)، امام صادق (ع)، مصباح الشريعة، ص72ـ 74، بیروت، اعلمى، چ اول، 1400ق، و نورى، حسين بن محمد تقى، مستدرك الوسائل، ج11، ص298، ح13087، قم، مؤسسة آل البيت(ع)، چ اول، 1408ق.

    [12]. شعيري، محمد بن محمد، جامع الأخبار، ص96، نجف، مطبعة حيدرية، چ اول، بى تا.

    [13]. كلينى، محمد بن يعقوب، الكافي، ج2، ص123،ح11، تهران، دار الكتب الإسلامية، چ چهارم، 1407ق.


    تعليق



    عرض غير العامة
    تصویر امنیتی :