facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 190912
    تاريخ نشره : 12/15/2017 8:13:00 AM

    الحياة الدينية 24

    الخطیب: مقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني

    29.09.2017 
    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا ونبيّنا محمّد صلّی الله عليه وعلی آله الطاهرين واصحابه المنتجبين. 

    عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه.

    يتشكّل المجتمع الديني من أفراد متدينين، وهذا يحتاج إلى إنسان مؤمن يستقي الدين من العلماء الأعلام الذين أخذوا على عاتقهم مهمة نشر تعاليمه، ويتطلب الإبتعاد عن الآراء الشخصية والسعي للعيش بأسلوب يتوافق مع هذه التعاليم.

    الإستنتاجات الشخصية والإستنساب من أهم عوامل الإبتعاد الدين

    من الواضح أن البعض يحمّل الدين آراءه الشخصية وقد يسعى لتكريس الفكرة القائلة إن الدين ليس قانون حياة. من هؤلاء من يقول مثلا إن القرآن عبارة عن كتاب قصص توجد فيه بعض المواعظ الأخلاقية، لا يصلح لإدارة الحياة في هذا العصر، فآيات القرآن عفا عليها الزمن، وهذا يعني تحجيم الدين إلى أقل حد ممكن، فلا يتدخل في الثقافة أو السياسة أو الإقتصاد أو الأخلاق، بل يقتصر دوره على تجارب فردية في الحياة الخاصة.

    أهمية الدين في إصلاح أفراد المجتمع

    لا بد للمؤمنين أن يصدقوا أن الدين هو صاحب الدور الأساسي في إصلاح المجتمع و تخليصه من آفاته الأخلاقية، وأن السبب في كل مشكلة تواجهها الإنسانية هو الإبتعاد عن تعاليم الدين.

    امتلاك الرؤية الدينية يعني تبني نظرة صحيحة إلى العالم، بحيث تعينه هذه النظرة على تصحيح علاقته بنفسه وبالمجتمع. عندما يحمل الإنسان رؤية صحيحة سيبني حياته على معايير سليمة وسيعيش حياة متوازنة بعيدة عن الإفراط والتفريط.

     

     

     

     هناك عوامل مختلفة تساهم في بناء رؤية الإنسان بحسب مراحله العمرية المختلفة. في فترة الطفولة الفاقدة لقوة الإستدلال تجد التقليد سيد الموقف، وهذا يعني أن دور الأهل والمربّي مهم جداً في بناء رؤية دينية صحيحة عند الطفل، ولهذا يقول أمير المؤمنين عليه السلام: «الْعِلْمُ مِنَ الصِّغَرِ كَالنَّقْشِ فِي الْحَجَر».[1] كما يقول الإمام الصادق عليه السلام: «بادِروا أحداثَكُم بِالحَديثِ قَبلَ أن تَسبِقَكُم إلَيهِمُ المُرجِئَة».[2]

    حتى إن التوصيات الدينية من قبيل تلاوة الوالدين للقرآن والدعاء تبدأ قبل الولادة، منذ مرحلة  الجنينية، وعندما يولد الطفل يستحب قراءة الأذان في أذنه اليمنى والإقامة في اليسرى... وهذا يعني أن السعي لبناء رؤية صحيحة عند الإنسان يبدأ بخطوات مبكرة جداً ويقع عاتقها بشكل أساسي على الوالدين وهو ما أنهم القدوة و يجب أن يراقبوا سلوكهم بشدة.

     

    عندما ينضج الإنسان توجد كذلك بعض الأعمال الصالحة التي لا بد من تكرارها والتقليد فيها، وهي أعمال تساهم في بناء الرؤية الدينية الصحيحة والمطلوبة، من قبيل الصلوات الواجبة والمستحبة والأدعية والمشاركة في بعض الشعائر الدينية، وقد ذكر القرآن الكريم مسألة القدوة واتباعها في حديثه عن نبي الله إبراهيم عليه السلام حيث قال عز وجل: «قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في‏ إِبْراهيمَ وَ الَّذينَ مَعَه‏».[3]

    من العوامل المساهمة أيضاً في بناء رؤية دينية صحيحة ومؤثرة، التأكيد على التفكير والإستدلال، وهذا أمرٌ متجلٍ في حياة الأنبياء عليهم السلام وقد نقل القرآن لنا قصة النبي إبراهيم عليه السلام في هذا المجال: «فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى‏ كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلين».[4] ففهّم الناس أن الأجرام السماوية التابعة لقوانين الطبيعة هي موجودات حادثة قد تغيب و قد تحضر وبالتالي لا يمكن أن تكون هي الخالقة للعالم وهذه حجة مقنعة بالنسبة لعبدة النجوم، وتساعدهم على اكتشاف خطئهم وإصلاح أنفسهم.

     

     

     

     

     كذلك في مورد آخر عندما سأل عبدة الاصنام النبي إبراهيم عليه السلام "من كسر أصنامنا؟" أجابهم إجابة معلّم التوحيد الذي يريد تنبيه تلميذه إلى الخطأ الذي يرتكبه: «قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُون‏».[5] وهذا ما أيقظ الكثيرين من غفلتهم، بحيث يقول لهم إبراهيم عليه السلام بعدها:  «قالَ أَ فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَ لا يَضُرُّكُم‏»؟[6]

    الخاتمة

    إن أسلوب الإستدلال المنطقي والعلمي يجبر الإنسان على إصلاح عقيدته ورؤيته. لكن هذا بالطبع يحتاج إلى اغتنام الفرصة والظروف المناسبة، ومن هنا نفهم الحكمة من تأكيد الإسلام على التفكر فقد قال الإمام علي عليه السلام: «لَا عِلْمَ كَالتَّفَكُّر».[7] و «تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سَنَة».[8] فالفكر إذن طريق الصحوة والعلم وعامل هداية الإنسان، ولهذا نجد أنه ذو مكانة خاصة في الروايات والآيات الكريمة.



    [1]. مجلسى، محمد باقر، بحار الأنوار، ج1، ص224، ح13، بیروت، دار إحياء التراث العربي، چ دوم، 1403ق.

    [2]. طوسى، محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام، ج8، ص111، ح381،  تهران، دار الكتب الإسلاميه، چ چهارم، 1407ق.

    [3]. الممتحنة/4.

    [4]. الانعام/76.

    [5]. الأنبیاء/63.

    [6]. (الانبیاء/66).

    [7]. نهج البلاغة، الحکمة/113.

    [8]. عياشى، محمد بن مسعود، تفسير العيّاشي، ج2، ص208، ح26، تهران، المطبعة العلمية، چ اول، 1380ق. و در روایتی مشابه همین از وجود نورانی امام صادق(ع) آمده است: «أَنَّ تَفَكُّرَ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَة؛ يك ساعت انديشيدن بهتر از عبادت يك شب است‏»(كلينى، محمد بن يعقوب، الكافي، ج2، ص54، ح2، تهران، دار الكتب الإسلامية، چ چهارم، 1407ق).


    تعليق



    عرض غير العامة
    تصویر امنیتی :