facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 190110
    تاريخ نشره : 10/21/2017 11:20:00 AM

    الحياة الدينية 25

    الخطیب: مقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني

    06.10.2017 
    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا ونبيّنا محمّد صلّی الله عليه وعلی آله الطاهرين واصحابه المنتجبين. 

    عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه.
    عندما يريد الإنسان أن يعيش حياة دينية فهذا يتطلب أن يكون صاحب رؤية إلهية. هناك فارق واضح وأساسي في الرؤية بين الأديان الإلهية والمدارس الفكرية الإنسانية، و يسري هذا الأمر إلى تعريف الأعمال الصالحة ومنطق الثواب. عندما يكون تفكير الإنسان إلهياً فهذا يعني أنه يؤمن بوجود آخرة ويسعى إلى نيل رضا الله تعالى والتقرب إليه، ولهذا يعمل على اكتساب الصفات الحسنة.

    الثمرة العملية المترتبة على رضا الله والتقرب إليه

    يقول القرآن الكريم إن الذين يعملون لنيل الثواب الإلهي، يعرفون أن الله سيعطيهم خير الدنيا والآخرة، وموقنون بأن الله لا يخلف وعده لأنّه ربٌّ حكيم. أما بالنسبة لسائر المدارس الفكرية الإنسانية التي لا تؤمن بالوحي ولا بتعاليمه فهي لا تطلب سوى الأجر المادي، وهذا يشبه مسلك السحرة في زمن النبي موسى عليه السلام. هؤلاء السحرة كانوا من الخواص في ذلك العصر وكان الناس يقتدون بهم، وعندما جاؤوا فرعون قالوا له: « قَالْواْ إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ؟!».[1] لكن السحرة انقلبوا وتحوّلوا بعد رؤية معجزة النبي موسى عليه السلام وسجدوا: «فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ».[2]

    تكشف لنا هذه القصة الواقعيّة أن الإنسان الذي يعيش تحوّلاً حقيقياً ويؤمن إيماناً قوياً بالله عز وجلّ، سيشعر أنه ليس هناك أيّ ثواب مادي يعدِلُ إيمانه، وسيكون مستعداً لخوض المخاطر من أجل الحفاظ على الإيمان ولو هُدِّد بالموت والصلب على الأعواد كما فعل فرعون بالسحرة عندما آمنوا دون استئذانه حيث قال لهم: «لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ».[3] فقالوا له لا يهم: « لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ!‏».[4]

     

     فكأنّهم قالوا له إن أكبر همّنا هو اكتشاف الحقيقة وقد وصلنا إليها. عندما يصل الإنسان إلى هذه الحالة يشعر أن الحفاظ عليها أهم واجب بالنسبة له.

    السعي لتغيير رؤية الكفار والمشركين

    عندما يخاطب الله عز وجل المشركين والكفار المنكرين للمعاد يحدثهم عن قدرته جلّ وعلا لكي يتنبّهوا لنظرتهم الخاطئة ويغيّروها، فيقول عز وجل: « أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا؟!».[5]  ثم يقول عزّ من قائل: «رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا».[6] 

    يقول العلامة الطباطبائي إنّ الخطاب الإلهي في هاتين الآيتين أو التاسعة والعاشرة من سورة النازعات، خطابٌ توبيخيٌ يُراد به إصلاح رؤية الناس بالنسبة للمعاد وربوبية الله ونبوّة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، ومتى ما صَلُحت الرؤية سيعرف الإنسان تكليفه والثواب على أدائه.

    الأسلوب القرآني في تغيير رؤية البشر

    "التذكير" أسلوب آخر من أساليب القرآن في تغيير الرؤية. كثيراً ما يُحذّر القرآن الإنسان من نسيان نفسه، كما يحصل في حالات العيش الرغيد: « إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى* أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى!».[7] ويقول تعالى في آية أخرى: « وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَؤُوسًا!».[8] وفي آية أخرى حول نفس الموضوع: «وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ».[9] تسعى هذه الآيات مع آيات أخرى لتعريف الإنسان على نفسه بأنحاء متنوعة وفي مختلف الظروف، فتحذّره من الإنحراف ونسيان أصله وهويته في ظل ما يتمتع به من نِعم وألطاف إلهية، وتوصيه بالمحافظة على فطرته كيلا يسدّ على نفسه طرق الهداية.

    ويُعتبر التذكير في القرآن أسلوباً بالغ الأهمية بحيث أن بعض الآيات تجعله التكليف الوحيد للرسول صلى الله عليه وآله، فتقول له: «إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ!».[10] ويطلق القرآن هذه الصفة على نفسه فيقول: «إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا!».[11] وفي آية أخرى أُطلق على القرآن تسيمة "الذّكر": «إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ».[12] عندما يصاب الإنسان بالنسيان يصبح عرضةً لوساوس الشيطان وإغوائه، ولهذا يستخدم القرآن هذا الأسلوب للإيقاظ والتحذير، وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة: «وَ لَقَدْ عَهِدْنا إِلى‏ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً».[13]

    كان التذكير ديدن جميع الأنبياء عليهم السلام، وهذا ما يؤكد عليه القرآن الكريمز لا بدّ من تذكير الإنسان بعهده مع الله عز وجل، وإخراجه من حالة الغفلة وإعادته إلى فطرته الصافية وباطنه السليم، والقرآن الكريم أفضل كتاب يساعد على تحقيق هذا الهدف، ويساهم في تفعيل قدرات الإنسان العظيمة الكامنة. قال الله تعالى: «وَ ذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَت!».[14]



    [1]. الاعراف/113.

    [2]. الاعراف/118 ـ 120.

    [3]. طه/71.

    [4]. الشعراء/50.

    [5]. النازعات/27.

    [6]. النازعات/28.

    [7]. العلق/6 و 7.

    [8]. الإسراء/83.

    [9]. الزمر/8.

    [10]. الغاشیة/21.

    [11]. الانسان/29.

    [12]. الحجر/9.

    [13]. طه/115.

    [14]. الانعام/70.


    تعليق



    عرض غير العامة