facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 189174
    تاريخ نشره : 8/23/2017 9:40:00 AM

    الحياة الدينية 19

    الخطیب: مقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني


    04.08.2017 
    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا ونبيّنا محمّد صلّی الله عليه وعلی آله الطاهرين واصحابه المنتجبين. 

    عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه.


    عندما نقارن بين الوضع الحالي للدول الصناعية والدول النامية مع الوضع السابق، نجد أن الحياة فيها بلغت مستويات أعلى من الرفاهية في المأكل والملبس والبيوت الحديثة والسيارات المكيفة... ولكن مع ذلك نجد أن الإنسان إلى الآن لم ينجح في الحصول على الطمأنينة. ها نحن نشاهد كيف يعاني الإنسان في صحّته النفسية والجسدية أكثر يوماً بعد يوم. إزدادت الأمراض وازدادت الحاجة إلى الدواء. حتى بات الإنسان بحاجة إلى دواء لينام و ليستيقظ. هذا الإستهلاك المفرط للدواء إن دلّ على شيء فهو يدلّ على أن البشر اليوم لا يمتلكون دافعاً للإستمرار بالحياة ولا يشعرون بالسكينة، بالرغم من ما بلغوه من تطور علمي، يسيطر عليهم بدلاً من ذلك أنواع مخيفة ومحزنة من الكسل والكآبة والبرودة، في حين أن الوضع في حالة تفاقم.

    الإضطرابات اليومية، الوجوه الغاضبة، الحوارات الباردة، الأفكار السخيفة، أذى النفس والإنتحار، هي بعض علامات بؤس حياة الكثير من البشر.

    أضف إلى ما سبق: الشعور بالوحدة، الشعور بالعبثية، التصورات الخاطئة والمقلقة عن مرحلة الكِبَر والموت، التشاؤم، عدم الرضا عن النفس والآخرين، الشعور بالذنب والخجل، الإقبال على الكماليات، توهم حياة أفضل عبر الملذات والمزيد من الرفاهية. هذه من البلاءات المنتشرة في مجتمعاتنا اليوم، وهذا لا يختص بالمجتمعات المتخلّفة بل يشمل الدولى الصناعية المتطورة والحديثة. وقد قاد انتشار هذه المشاكل في المجتمعات إلى اختراع البعض وصفات فاشلة، عجزت عن استرجاع ما فقده الإنسان من سكون وطمأنينة.

      أهم عوامل انحرافات البشر

    إن العامل الأهم في جميع الإنحرافات التي يعاني منها البشر على ما يبدو هو توهّم الإستقلالية التامة والبعد عن حقيقة وجود النفس. إن غفلة الإنسان عن حقيقة ذاته يخلق المعضلات على الصعيد النفسي والروحي. من الطبيعي أن يُصاب الإنسان بالحيرة والضلال عندما يخطئ في فهم نفسه وفهم عالم الوجود. إن التقصير في معرفة النفس والعالم إسرافٌ سيجرّ على الويلات الإنسان. ولكن ليس هذا وحده السبب، فهناك عوامل خارجية من قبيل بيئة التربية والتعليم. يحذّر الله عز وجل الإنسان في كتابه الكريم من اليأس عند الحديث حول طغيان الإنسان و إسرافه: «قُلْ يا عِبادِيَ الَّذينَ أَسْرَفُوا عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَميعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحيم».[1]

    تؤكّد هذه الآية على أن الإنسان المسرف بحق نفسه سيصاب باليأس والإحباط، وهذا خطير جداً، لذلك فتح الله عز وجل باب رحمته الواسع لكي يرجع الناس إلى فطرتهم الإلهية، وقد دعاهم الله إلى التمسّك بالأمل بمغفرته، كي يبتعدوا عن طريق إنكار الحقيقة. فالقرآن إذن يُخبر الإنسان أن طريق التوبة مفتوح ويعطيه جرعة من السكينة والفرح وفرصة لإصلاح النفس.

    دور الدعاء في معالجة الإنحرافات الروحية

    أحد أهم الأعمال لحل المشاكل الروحية، الدعاء، وهو من حاجات الإنسان الضرورية جداً، وهذا ما أذعن به الغرب أيضاً، فللدعاء دور كبير في بناء علاقة الإنسان بربه وتربية أحاسيسه وكشف القلق والخوف عنه، كذلك يقرّب الدعاء الناس من بعضهم البعض وعبره يمر طريق الإنسان إلى السعادة.

    يقول ديل كارنيغي، عالم النفس الأميريكي المشهور: «الإيمان الديني هو الوسيلة الأفضل لمعالجة القلق والحزن على الإطلاق. الملتزم دينياً لن يعرف طعم الأمراض العصبية ».[2]

     الكسيس كارل، الجرّاح والفيزيولوجي والباحث الفرنسي الحائز على جائزة نوبل، يقول في أحد كتبه متحدثاً عن آثار الدعاء فيزيولوجيا و نفسياً، إن الدعاء يلبي أعمق رغبات الفطرة الإنسانية، ويقول إنه لا بد من التفريق بين المورفين والدعاء، فالدعاء بالرغم من حالة الهدوء التي يوجدها، يؤثر بصورة إيجابية على الدماغ،

    ويوجد نوعاً من الرِّقَّة والفرح ويثير أحياناً شعوراً بالشجاعة والبطولة، ويؤدي إلى ظهور علامات أخرى خاصة به. كذلك يساعد الدعاء على نمو الإنسان جيداً بحيث يضيق عنه ثوب الوراثة وتأثير البيئة المحيطة.

    ثم يتعرّض هذا العالم بالبحث لآثار العلاج بالدعاء التي استحوذت على اهتمام الناس عبر العصور المختلفة، ويؤيد صحة الكثير منها، لا سيما في الحالات التي لا تنجع فيها طرق العلاج الأخرى.[3]

    حول هذا الموضوع أيضاً يقول أستاذ الفلسفة في جامعة هارفرد ويليام جيمس:

    «إن أنجع الأدوية الشافية للقلق هو الإيمان والعقيدة  الدينية. أشعر اليوم أن الحق مع فرانسيس عندما كان يقول: إن دراسة الفلسفة بصورة مجتزئة تقود الإنسان إلى الكفر، بينما يقود التعمّق فيها الفكر إلى الدين».[4]

    ذكر الله الدواء الشافي لقلوب الناس

    لقد توصّل طبّ النفس اليوم إلى ما كان الأنبياء يعلّمونه للناس في الماضي. إكتشف الأطباء المتخصصون في المجال النفسي أن الدعاء والصلاة والإيمان الديني القوي يقضي على القلق والضياع والتوتر والخوف، ولهذا يعتبر القرآن أن الوصفة الوحيدة التي تطمئن القلوب هي ذكر الله: «أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ».[5] كلما ركّز الإنسان على ذكر الله أكثر سيربح نفسه وروحه: «يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثيراً»،[6] وذكر الله حسن في كل حالات الإنسان.

     



    [1]. الزمر/53.

    [2]. ک‍ارن‍گ‍ی ، دی‍ل ، آی‍ی‍ن زن‍دگ‍ی : چ‍گ‍ون‍ه ت‍ش‍وی‍ش و ن‍گ‍ران‍ی را از خ‍ود دور ک‍ن‍ی‍م ؟، ترجمه ح‍س‍ام ال‍دی‍ن ام‍ام‍ی ، ص27، تهران، نشر صفار، چ اول، 1378ش.

    [3]. کارل، نیایش، ترجمه....، ص89.

    [4]. فروغی، محمد علی، سیر حکمت در اروپا، ج3، ص523.

    [5]. الرعد/28.

    [6]. الأحزاب/41.


    تعليق



    عرض غير العامة