facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 188504
    تاريخ نشره : 7/20/2017 12:08:00 PM

    الحياة الدينية 14

    الخطیب: مقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني
     
    02.06.2017 

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا ونبيّنا محمّد صلّی الله عليه وعلی آله الطاهرين واصحابه المنتجبين. 

    عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه.

    إن التخلص من عذابات البشر وآلامهم واحدة من أهم القضايا التي أخذها الدين على عاتقه، ولهذا أجريت الكثير من الأبحاث المُعمّقة حول دور الدين في حل المشاكل الروحية والنفسية التي أوقعت الإنسان في الحيرة وأفقدته هويته في الكثير من المجتمعات. هذا النوع من الأبحاث يجيب عن هذا السؤال: هل يمكن للإسلام أن يقدّم حلولاً لهذه المشاكل أم لا؟

    دور الدين في حل المشاكلة الروحية والنفسية

    الجواب عن هذا السؤال هو أن العمل بالدين يساعد على حل هذا النوع من المشاكل، لكن المطلوب أن يدرس الإنسان جميع أبعاد الدين ويتحلى بالصبر والدقة، فلا يكون صاحب نظرة سطحية كأن يصدّق كل ما تنسبه وسائل الإعلام إلى الدين من قبيل: التشجيع على العنف والإرهاب... وغير ذلك، فالدين بريء من هذه المسائل، بغض النظر عن ما يجري في بعض البلدان الإسلامية. إن النظر بإنصاف سيكشف لأي إنسان أن الدين صاحب برنامج تربوي كامل يمكنه معالجة هذا النوع من الأمراض ليعيش بسلام وسعادة روحية، بشرط أن يضع نفسه بتصرف الدين ويؤمن بتعاليمه.

    التكامل الحقيقي للإنسان مرهون بتحمل المصاعب ومشاكل الحياة

    لا بد من التأكيد على نقطة مهمة عند الحديث عن الإسلام بالنسبة لتصدي الدين للعذابات والآلام الإنسانية، وهي أن الدين الإسلامي دين طالب للحقيقة وواقعيّ،[1] والتفسير الذي يقدمه عن حقيقة الإنسان يعبر عن هذه النظرة الواقعية الطالبة للحقيقة. يقول العلامة الطباطبائي في تفسيره لسورة البلد: «تذكر السورة أن خلقة الإنسان مبنية على التعب والمشقة فلا تجد شأناً من شؤون الحياة إلا مقروناً بمرارة الكد والتعب من حين يلج في جثمانه الروح إلى أن يموت فلا راحة له عارية من التعب والمشقة ولا سعادة له خالصة من الشقاء والمشأمة إلا في الدار الآخرة عند الله».[2]

    فمن الواضح إذن أن الإنسان منذ بدء الحياة، منذ انعقاد نطفته في رحم الأم تبدأ مشاكله وعذاباته، وتستمر مشاكله هذه في مرحلة الطفولة والشباب والكِبَر.

    إن طبيعة الحياة الدنيا معجونة بالكثير من المشاكل، والنظر بواقعيّة إلى طبيعة الخلق تكشف للإنسان أن تدرجه في مراحل الكمال من جماديّ إلى نباتيّ إلى حيوانيّ ثم إنسانيّ مصحوب بالتعب والألم.

    فإذن على الإنسان والحال هذه أن يستخدم الطاقات المودعة فيه للصمود وتحمل هذه المتاعب والمصاعب، ويجعلها درجات سلم الوصول إلى الكمال.

    أنواع المصاعب التي تواجه الإنسان

    هناك نوعان من المصاعب والآلام التي يواجهها الإنسان في حياته، المصاعب الهادفة، والمصاعب العبثية. هناك سلسلة من المشاكل التي تواجه الجميع بحسب طبيعة الحياة، ولكن هناك أيضاً مشاكل تحصل نتيجة أخطاء الإنسان وانحرافه عن المسار الصحيح. لا شك أن المصاعب الهادفة تساعد الإنسان على النمو وتعزيز الكرامة الإنسانية، وقد قال الله في هذا المجال: «وَ لَنُذيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى (عذاب الدنيا)‏ دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ (الآخرة) لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون».[3]

    فإذن دور العذابات في هذه الدنيا هو إعادة الإنسان إلى المسار الصحيح على خط التكامل. إن المآزق الكبرى التي يقع فيها الإنسان تساعد على نضجه و صقل معدنه، وتقوده إلى مزيد من الكمالات كما حدث مع النبي إبراهيم عليه السلام، الذي كانت نتيجة نجاحه في الإمتحانات الإلهية حصوله على درجة إمامة المجتمع. فهذا النوع من العذابات إذن يفتح آفاقاً جديدة للإنسان.

    تحمل المشاكل والوصول إلى السعادة والكمال

    هناك طريقتان للتعاطي مع المصاعب التي تحصل بسبب تصرف البشر:

    الأولى هي الطريقة الوقائية، وهي أن يتعرف الإنسان على العقائد والأخلاق والأعمال الصالحة، ويتربى عليها، فلا يخلق المشاكل لا لنفسه ولا لغيره، ولا يسمح للشياطين بإلقاء الشك إليه، بل يثبت على إيمانه وعقيدته وتربية نفسه، وهذا يتطلب همة عالية.

    الثانية هي الطريقة العلاجية، وهي عبارة عن سعي الإنسان لإصلاح ما فسد، كالمريض الذي يسعى لتناول العلاج ولا يهدأ حتى يشفى، ويستغل في هذا المجال قوته واختياره.

    وقد وعد الله بتقديم المساعدة لمن يهبّ لإصلاح نفسه وبناء ذاته، فيؤنس وحشته ولا يتركه وحيداً في مواجهة الشيطان، وهذا في الحقيقة معنى محبة الله للتائبين العائدين إلى مسار الرقيّ والكمال، ولكن يجب على هؤلاء أن يخلصوا النيّة في عزمهم على العودة إلى الطريق الصحيح، وهذا ما دعا إليه الله تعالى في كتابه: «يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً‏».[4]

     



    [1]. مطهرى، مرتضى، ‏مجموعه آثار شهيد مطهرى‏(جهان‏بينى توحيدى)، ج2، ص87، تهران ـ قم‏، صدرا، چ هشتم، 1377ش‏.

    [2]. طباطبايى، محمدحسين، تفسير الميزان‏، ج20، ص328، بيروت، منشورات الأعلمي، الطبعة الثانية المحققة، عام 1422هجري قمري ـ 2002ميلادي.

    [3]. السجدة/21.

    [4]. التحریم/8.


    تعليق



    عرض غير العامة