facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 182973
    تاريخ نشره : 7/23/2016 3:51:00 PM

    المعارف الإسلامیّة (185) الإسلام و حقوق الأخلاقی (30)

    الخطیب: مقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني
                                                               
    التاریخ: 14.07.2016


    بسم الله الرحمن الرحیم

    الحمد لله ربّ العالمین و الحمد لله الذي لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره، الحمدالله الذی لا شریك لَهُ في خلقه و لا شبیهَ لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سیّدنا و نبیّنا محمّد صلّی الله علیه وعلی آله الطیبین الطاهرین و أصحابه المنتجبین.  

    عباد الله أُوصیكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه.

    إنّ المطّلع على أحكام الإسلام يدرك مدى الدقّة التي يقدّم فيها هذا الدين البرامج سواء للحياة الفردية أم الإجتماعية. برامج لا بدّ للمسلم من الإيمان بها والسعي لتطبيقها، لأنها تشمل جميع أبعاد الحياة، ولا تقتصر على الجانب الفردي، بل تشمل الإجتماعي أيضاً، وهو ما يمكن التعرّف عليه من خلال مراجعة الحقوق التي ذكرها الدين لمختلف الأشخاص في مُختَلف أنواع العلاقات، العلاقة مع الولد أو الزوج أو الأب أو الأم وصولاً إلى الجليس والشريك والصديق والصاحب.... كلٌ له نوع خاص من الحقوق.

    حق الصاحب

    يقول الإمام زين العابدين عليه السلام في موضوع حق الصاحب: «وَ أَمَّا حَقُ‏ الصَّاحِبِ‏ فَأَنْ تَصْحَبَهُ بِالْفَضْلِ مَا وَجَدْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَ إِلَّا فَلَا أَقَلَّ مِنَ الْإِنْصَافِ وَ أَنْ تُكْرِمَهُ كَمَا يُكْرِمُكَ وَ تَحْفَظَهُ كَمَا يَحْفَظُكَ وَ لَا يَسْبِقَكَ فِيمَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ إِلَى مَكْرُمَةٍ فَإِنْ سَبَقَكَ كَافَأْتَهُ وَ لَا تُقَصِّرَ بِهِ عَمَّا يَسْتَحِقُّ مِنَ الْمَوَدَّةِ تُلْزِمُ نَفْسَكَ‏ نَصِيحَتَهُ وَ حِيَاطَتَهُ وَ مُعَاضَدَتَهُ عَلَى طَاعَةِ رَبِّهِ وَ مَعُونَتَهُ عَلَى نَفْسِهِ فِيمَا لَا يَهُمُّ بِهِ مِنْ مَعْصِيَةِ رَبِّهِ ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِ رَحْمَةً وَ لَا تَكُونُ عَلَيْهِ عَذَاباً وَ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏».[1]إن التمعّن في هذه الجملات النورانية يكشف لنا مدى جمال كلمات الإمام علي بن الحسين عليه السلام في حق الصاحب. يقول لنا إنّ أقلّ ما يجب مراعاته الإنصاف والإحترام المتبادل! وعلينا أن نسعى للسبق دائماً إلى فعل الخير، والتعبير عن المحبة، والنصيحة له ومساعدته عند المبادرة إلى تطبيق الأوامر الإلهية، وحمايته من الوقوع في معصية الله.

    التدقيق في اختيار الصديق

    من الواضح أن الصاحب، بمعنى الصديق والرفيق، يشمل من تصحبه لفترة محدودة أو طويلة، حيث تنشأ بسبب هذه الصحبة علاقةٌ يترتّب عليها بعض الحقوق. الروايات توصي بمصاحبة العاقل، وبعض الروايات تحذّر من مصاحبة فئة خاصة من الناس، كما في رواية عن أمير المؤمنين عليه السلام: «لَا خَيْرَ فِي‏ صُحْبَةِ مَنْ تَجْتَمِعُ فِيهِ سِتُ‏ خِصَالٍ: إِنْ حَدَّثَكَ كَذَبَ وَ إِنْ حَدَّثْتَهُ كَذَّبَكَ، وَ إِنِ ائْتَمَنْتَهُ خَانَكَ وَ إِنْ ائْتَمَنَكَ اتَّهَمَكَ، وَ إِنْ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِ كَفَرَكَ وَ إِنْ أَنْعَمَ عَلَيْكَ مَنَّ عَلَيْك».[2]

     

    نتائج التساهل في اختيار الصاحب

    يمكن للصاحب أن يؤثّر بقوّة في صاحبه، ولذا علينا التدقيق جيداً في اختيارنا، فصديق السوء يستطيع يؤثّر تأثيراً سلبياً شديداً في من يصحبه، وقد قال الإمام الصادق عليه السلام: «مَنْ‏ يَصْحَبْ‏ صَاحِبَ‏ السَّوْءِ لَا يَسْلَم».[3] والويل لمن صاحب الأحمق، حيث إنّ هناك خطر كبير من سراية أخلاقه إليه، حيث قال عليه السلام كذلك:«وَ مَنْ‏ لَمْ‏ يَجْتَنِبْ‏ مُصَادَقَةَ الْأَحْمَقِ يُوشِكْ أَنْ يَتَخَلَّقَ بِأَخْلَاقِه‏».[4] ويقول الله عز وجل: «يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى‏ يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبيلاً * يا وَيْلَتى‏ لَيْتَني‏ لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَليلاً * لَقَدْ أَضَلَّني‏ عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَني‏ وَ كانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولاً.... ».[5] شرح الآية: تذكّر يوم القيامة، يوم يعض الظالم على يده حسرةً، يقول يا ليتني كنت مع الرسول ولم أتّخذ ذلك الشخص المضل صديقاً لي، فقد نسيتُ الحقّ بسببه، بعد أن تعرّفت عليه. هكذا هو الشيطان، يخذل الإنسان دائماً ويؤدي به إلى المذلّة.

    إن اختيار الصديق أمرٌ بالغُ الأهميّة، بحيث يعتمد البعض على نوع الأصدقاء في تقييم الشخص، وقد ورد هذا عن النبي سليمان عليه السلام، حيث قال: «لَا تَحْكُمُوا عَلَى رَجُلٍ بِشَيْ‏ءٍ حَتَّى‏ تَنْظُرُوا إِلَى‏ مَنْ‏ يُصَاحِبُ‏ فَإِنَّمَا يُعْرَفُ الرَّجُلُ بِأَشْكَالِهِ وَ أَقْرَانِهِ وَ يُنْسَبُ إِلَى أَصْحَابِهِ وَ أَخْدَانِه‏».[6] إذن علينا أن ننتبه من نختار، لأن هؤلاء أشخاص يستطيعون أن يغيّروا مسار حياتنا، والبعض منهم يوصلُ إلى الضلال والغواية، بينما إذا اخترنا صديقاً وِفق المعايير الإسلامية، فقد يقودنا إلى الهداية وطريق التكامل. علينا أن نختار من يفتح لنا باباً إلى المعرفة والحكمة، و يساعدنا على الوصول إلى الهدف الذي خلقنا لأجله.

    عندما نطالع الوصايا الواردة في المصادر الدينية نجد التأكيد على الإتبعاد عن "الفاسقين، الكاذبين، البخلاء، الحمقى، قاطعي الرحم"[7] والسبب في ذلك هو الأضرار التي يمكن أن يُصاب بها الإنسان بسبب هذا النوع من الأشخاص. يؤكّد الإسلام علينا سلوك طريق الحكمة والمعرفة لننجو من الضلال والضياع، وهذا لا ينسجم إلا مع اختيار الصديق الذي يعيننا على سلوك هذا الطريق.

    نسأل الله عزّ وجل أن یمنّ علینا جمیعًا بالتوفیق وأداءِ حقِّ مُعلِّميَنا، فهم الذين یحیون أفكارَ تلامِذَتِهم ويجلون أبصارَهم و يحيون فينا الرغبةَ لفهم المعارفِ الدینیّة و الإسلامیّة ونسأله أن يوفقنا لتعلم كلِّ ما في وسعنا لنعرف سبیل الرشاد والعمل الصالح و هو وليُّ كل توفیقٍ و له الحمد و الشكر علی كلّ النِّعَم.

                                                                                                                   آمین یا ربِّ العالمین

                                                                                                                  والسلام علیكم و رحمة الله وبركاته



    [1]. ابن شعبه حرانى، حسن بن على، تحف العقول، ص266، قم، جامعه مدرسين، چ دوم، 1404ق.

    [2]. كراجكى، محمد بن على، معدن الجواهر و رياضة الخواطر، ص54، تهران، المكتبة المرتضوية، چ دوم، 1394ق.

    [3]. ابن بابويه، محمد بن على، الخصال، ج1، ص169، ح222، قم، جامعه مدرسين، چ اول، 1362ش.

    [4]. ابن بابويه، محمد بن على، الأمالي للصدوق، ص270، ح1، تهران، كتابچى، چ ششم، 1376ش.

    [5]. الفرقان/27ـ29.

    [6]. أبي الفتح، الكراجكي، كنز الفوائد، ص36، قم، مكتبة المصطفوي، چ الثانية، 1369ش.

    [7]. نماذج من هذا النوع من الروايات: الإمام علي(ع): «لا خَيرَ في صَديقٍ ضَنين‏»، (تميمى آمدى، عبد الواحد بن محمد، غرر الحكم، ص778، ح274، قم، دار الكتاب الإسلامي، چ دوم، 1410ق). و عنه علیه السلام: «احذَرْ مُصاحَبَةَ الفُسّاقِ والفُجّارِ والمُجاهِرِينَ بِمَعاصِي اللَّهِ»، (المصدر نفسه، ص161، ح23). وعنه عليه السلام: «عَدُوٌّ عاقِلٌ خَيرٌ مِن صَدِيقٍ أحمَقَ» (مجلسى، محمد باقر، بحار الأنوار، ج75، ص12، ح70، بیروت، دار إحياء التراث العربي، چ دوم، 1403ق). وعنه عليه السلام:«اجتَنِبْ مُصاحَبَةَ الكَذّابِ، فإن‏ اضطُرِرْتَ إلَيهِ فلا تُصَدِّقْهُ، ولا تُعلِمْهُ أنَّكَ تُكَذِّبُهُ؛ فإنّهُ يَنتَقِلُ عَن وُدِّكَ ولا يَنتَقِلُ عَن طَبعِهِ»، (تميمى آمدى، همان، ص143، ح190). و عن الإمام زين العابدين(ع) ‏ـ في وصيَّتِهِ لابنِهِ الباقِرِ عليه السلام ـ: «إيّاكَ و مصاحَبَةَ القاطِعِ لِرَحِمِهِ؛ فإنّي وَجَدتُهُ مَلعوناً في كتابِ اللَّهِ عَزَّوجلَّ في ثلاثِ مَواضِعَ (كلينى، محمد بن يعقوب، الكافي، ج2، ص377، ح7، تهران، دار الكتب الإسلامية، چ چهارم، 1407ق).



    تعليق



    عرض غير العامة